في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (237)

221

( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )

والحالة الثانية : أن يكون قد فرض مهرا معلوما . وفي هذه الحالة يجب نصف المهر المعلوم . هذا هو القانون . ولكن القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة والفضل واليسر . فللزوجة - ولوليها إن كانت صغيرة - أن تعفو وتترك ما يفرضه القانون . والتنازل في هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفو السمح . الذي يعف عن مال رجل قد انفصمت منه عروته . ومع هذا فإن القرآن يظل يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترف وتخلو من كل شائبة :

( وأن تعفوا أقرب للتقوى . ولا تنسوا الفضل بينكم . إن الله بما تعملون بصير ) . .

يلاحقها باستجاشة شعور التقوى . ويلاحقها باستجاشة شعور السماحة والتفضل . ويلاحقها باستجاشة شعور مراقبة الله . . ليسود التجمل والتفضل جو هذه العلاقة ناجحة كانت أم خائبة . ولتبقى القلوب نقية خالصة صافية . موصولة بالله في كل حال .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (237)

ولما نفي الجناح بانتفاء{[11078]} المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما{[11079]} فقط {[11080]}فذكر الحكم عند انتفاء المسيس وحده صريحاً في ضد المفوضة{[11081]} السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض وحده تلويحاً فقال : { وإن طلقتموهن } أي الزوجات { من قبل أن تمسوهن } أي تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا { وقد } أي والحال أنكم{[11082]} { فرضتم } {[11083]}أي سميتم{[11084]} { لهن فريضة } أي{[11085]} مهراً مقدراً{[11086]} { فنصف } أي فالمأخوذ نصف { ما فرضتم } أي سميتم لهن من الصداق{[11087]} لا غير{[11088]} .

ولما أوجب لها ذلك بعثها{[11089]} على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء بالتعبير بالعفو فقال : { إلا أن يعفون } أي النساء{[11090]} فإن النون ضميرهن والواو لام الفعل{[11091]} فلا يؤخذ منكم شيء { أو يعفوا الذي بيده } أي إليه ولكن لما كان أغلب{[11092]} الأعمال باليد أسندت كلها{[11093]} إليها فصارت كناية عن القدرة { عقدة النكاح } وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها فيسمح{[11094]} لها بالجميع كان{[11095]} التعبير بهذا هزاً للزوج إلى العفو في نظير ما جعل إليه من هذا دونها .

قال الحرالي : إذا قرن هذا الإيراد{[11096]} بقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } خطاباً للأزواج قوي{[11097]} فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة للزوجات ، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات{[11098]} خص هذا بالأولياء{[11099]} فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية{[11100]} بوجه ما من نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون{[11101]} منشأ الخلاف من{[11102]} خطابات السعة بالإيهام - انتهى . وجعل الإمام هذا مفهوماً من التعبير بالعقدة{[11103]} لأنها تدل على المفعول{[11104]} كالأكلة واللقمة{[11105]} والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد و{[11106]} {[11107]}هو المصدر كالأكل واللقم{[11108]} لا العقدة{[11109]} {[11110]}الحاصلة بعد العقد{[11111]} { وأن تعفوا } أيها الرجال والنساء { أقرب } أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء{[11112]} .

ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون إلى فقال : { للتقوى } أما من المرأة فلأجل أن{[11113]} الزوج لم ينل منها شيئاً ولا حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه ، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة بيده{[11114]} فإنه{[11115]} كما ربطها باختياره حلها باختياره{[11116]} فدفعه{[11117]} الكل أقرب إلى جبر المرأة ورضاها ، {[11118]}ومن فعل الفضل كان بفعله{[11119]} ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن{[11120]} لم يفضل .

ولما كان العفو فضلاً من العافي وإحساناً لها{[11121]} منه وكانوا إنما يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله : { ولا تنسوا } أي تتركوا ترك{[11122]} المنسي ، والتعبير بالنسيان{[11123]} آكد في النهي { الفضل } أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا مفضلاً عليكم ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وزاده{[11124]} تأكيداً بقوله : { بينكم } أي حال كونه واقعاً فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجاً عنكم ، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء ، فما{[11125]} أمركم به إلا لنفعكم خاصة ، {[11126]}لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع{[11127]} في مقابله{[11128]} من المرأة بشيء ، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء ، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطاباً للقبيلين . وخصه الحرالي{[11129]} بالرجال فقال : فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ{[11130]} النساء بالعفو ، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض ، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل{[11131]} على المرأة في استرجاع ما آتاها بما{[11132]} يصرح به قوله :

{ أو آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه{[11133]} شيئاً }[ آل عمران : 20 ] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى .

ثم علل ذلك مرغباً مرهباً{[11134]} بقوله : { إن الله }{[11135]} أي {[11136]}الذي له الكمال كله{[11137]} { بما تعملون } أي وإن دق { بصير * } وأفهم ذلك : وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض فجميع مهر المثل .


[11078]:في م: فانتفى.
[11079]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أحدها.
[11080]:العبارة من هنا إلى "الفرض وحده" ساقطة من ظ.
[11081]:كذا، والظاهر: الفريضة. وفي البحر المحيط 2 / 234: لما بين حال المطلقة قبل المسيس وقبل الفرض بين حال المطلقة قبل المسيس وبعد الفرض، والمراد بالمسيس الجماع وبالفريضة الصداق، والجملة من قوله "وقد فرضتم" في موضع الحال ويشمل الفرض المقارن للعقد والفرض بعد العقد وقبل الطلاق.
[11082]:زيد في الأصل "وقد" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[11083]:أخرها في ظ عن "لهن فريضة".
[11084]:أخرها في ظ عن "لهن فريضة".
[11085]:في ظ: لهن.
[11086]:ليس في ظ.
[11087]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[11088]:في م ومد: غيره.
[11089]:من م ومد، وفي الأصل: بعضها.
[11090]:ليست في ظ.
[11091]:ليست في ظ.
[11092]:في م: غالب.
[11093]:ليس في م ومد.
[11094]:في ظ: فيمسح.
[11095]:في مد: كائن.
[11096]:في ظ: لا يراد.
[11097]:زيد من م وظ ومد.
[11098]:في م وظ ومد: الرشيدات.
[11099]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الأولياء.
[11100]:من م ومد وفي ظ: تبقيه، وفي الأصل: تبغيه – كذا بالغين.
[11101]:سقط من م.
[11102]:في ظ: في.
[11103]:في ظ: بالعقد.
[11104]:ليست في ظ.
[11105]:ليست في ظ.
[11106]:زيد من م ومد.
[11107]:ليست في ظ.
[11108]:ليست في ظ.
[11109]:في م: العدة.
[11110]:ليست في ظ.
[11111]:ليست في ظ.
[11112]:في م: السو.
[11113]:ليس في م.
[11114]:في ظ: انتهى.
[11115]:زيد من مد وظ.
[11116]:زيد ما بين الحاجزين من ظ وم ومد.
[11117]:من مد وظ، وفي الأصل وم: فدفعة.
[11118]:العبارة من هنا إلى "لم يفضل" ليست في ظ.
[11119]:من م ومد وفي الأص: يفعله.
[11120]:في مد: ممن.
[11121]:ليس في م ومد وظ.
[11122]:ليس في م.
[11123]:في م: بالنساء – كذا وقرأ على ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة: ولا تناسوا الفضل، قال ابن عطية: وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه؛ انتهى – البحر المحيط 2 / 238..
[11124]:من م ومد وظ، وفي الأصل: زاد.
[11125]:في ظ: مما.
[11126]:العبارة من هنا إلى "بسببه شيء" سقطت من ظ.
[11127]:زيد في الأصل "إلا" ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[11128]:من م ومد وفي الأصل: مقابلة.
[11129]:قال أبو حيان الأندلسي: والذي يظهر أنه خطاب للأزواج فقط وقاله الشعبي إذ هم المخاطبون في صدر الآية فيكون ذلك من الالتفات إذ رجع من ضمير الغائب وهو الذي "بيده عقدة النكاح" على ما اخترناه في تفسيره إلى الخطاب الذي استفتح به صدر الآية، وكون عفو الزوج أقرب للتقوى من حيث أنه كسر قلب مطلقته فيجيرها بدفع جميع الصداق لها إذ كان قد فاتها منه صحبته فلا يفوتها منه نحلته إذ لا شيء أصعب على النساء من الطلاق فإذا بذل لها جميع المهر لم تيأس من ردها إليه واستشعرت من نفسها أنه مرغوب فيها فانجبرت بذلك – البحر المحيط 2 / 238.
[11130]:في م ومد: يؤخذ.
[11131]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الرجال.
[11132]:في م: كما.
[11133]:في الأصل: منهن والتصحيح من م ومد وظ والقرآن المجيد سورة 3 آية 20.
[11134]:سقط من ظ.
[11135]:ختم هذه الآية بهذه الصفة الدالة على المبصرات لأن ما تقدمه من العفو من المطلقات والمطلقين وهو أن يدفع شطر ما قبضن أو يكلمون لهن الصداق وهو مشاهد مرئي فناسب ذلك المجيء بالصفة المتعلقة بالمبصرات، ولما كان آخر قوله "والذين يتوفون منكم – الآية" قوله "فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن" مما يدرك بلطف وخفاء ختم ذلك بقوله "والله بما تعلمون خبير" وفي ختم هذه الآية بقوله "إن الله بما تعلمون بصير" وعد جميل للمحسن وحرمان لغير المحسن – البحر المحيط 2 / 238.
[11136]:ليست في ظ.
[11137]:ليست في ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (237)

وقوله : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) إذا وقع الطلاق على المرأة قبل المسيس وقد فرض لها الصداق من قبل ، فإن لها نصفه . وذلك هو الحكم المأخوذ من هذه الآية وهو ما أجمع عليه العلماء . فالطلاق من قبل المسيس وبعد فرض الصداق يوجب لها النصف ، خلافا لما يكون عليه الحكم بعد المسيس والفريضة ؛ فإنها لها الصداق كله .

ويتبين من هذه الآية كذلك أن المطلقة المفروض لها الصداق لا يثبت لها شيء من متعة مادامت غير ممسوسة . وليس لها في هذه الحال غير النصف من الصداق المسمى ؛ لأن المتعة إنما يختص بها من النساء المطلّقات من قبل المسيس ولم يفرض لهن فريضة كما بينّا في الآية السابقة .

ولكن فريقا آخر من العلماء قالوا : إن المتعة تجب لكل مطلّقة عموما استنادا لما سبق من آيات واردة في الأمر بالإمتاع على سبيل الوجوب .

وقوله : ( إلا أن يعفون ) وذلك استثناء منقطع ؛ لأنه لا علاقة للعفو من الصداق بأخذه وليس أحدهما من جنس الآخر . و ( يعفون ) على وزن يَفْعُلْن أي يتركن والنون نون النسوة . والمعنى للآية أن المطلقة قبل المسيس والتي فرض لها الصداق تستحق من هذا الصداق نصفه على سبيل الوجوب لها إلا أن تعفو عن هذا الحق ( النصف ) أي تتركه للزوج تسامحا وكرما وعن طيب نفس .

وقوله : ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) ( يعفوا ) مضارع منصوب معطوف على يعفو الأولى . والذي بيده عقدة النكاح موضع خلاف ، لكن الراجح أنه يراد به الزوج فهو الذي يملك أن يعقد النكاح وأن يهدمه ، ويستدل على ذلك بما رواه الدارقطني مرفوعا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : قال رسول الله ( ص ) : " وليّ عقدة النكاح الزوج " وروى الدارقطني أيضا عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة بني نصر ، فطلقها قبل أن يدخل بها ، فأرسل إليها الصداق كاملا وقال : أنا أحق بالعفو منها . وتأول قوله تعالى : ( أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ) يعني نفسه . وقد سأل علي بن أبي طالب شريحا عن الذي بيده عقدة النكاح فقال : هو ولي المرأة . فقال عليّ : لا ، بل هو الزوج . وذلك الذي عليه كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب . وقيل خلافا لذلك : إن الذي بيده عقدة النكاح وليّ المرأة كأن يكون أباها أو جدها أو أخاها أو من يكون إذنه ضروريا لنكاحها . وهو ما ذهب إليه فريق من العلماء منهم مالك ، والشافعي في أحد قوليه ، وذلك قول مرجوح ، فإن الراجح أنه الزوج " لما بينّا من دليل .

وجملة المقصود في هذا الشأن أن المطلقة غير الممسوسة لها نصف الصداق إن كان مفروضا لها من قبل ؛ إلا أن تسخو فتتنازل عن حقها في هذا النصف للزوج وذلك من باب العفو والتسامح وكريم الخلق ، أو أن يسخو الزوج فيتنازل عن حقه في النصف فيدفع لها المهر كاملا ، وهو أمر متعلق بسمو الطبع وكريم الخلق لكل منهما ، وهو فيه الثناء على الكريم منهما ما يجعله من المتقين ، ولا جرم أن يكون في مثل هذا التنازل ما يسوق المتنازل الكريم منهما إلى التقوى ، وفي ذلك يقول سبحانه مبينا مناشدا : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) .

وقوله : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ( الفضل ) هو تواضع كل منهما وتنازله بسخاء عن شطر المهر للآخر . فقد تسخو المطلقة غير المدخول بها فتتنازل عن شطر المهر الذي تستحقه للرجل ، وذلك فضل منها . وقد يسخو الرجل ليتنازل في خلق وإحسان عن الشطر الآخر للمهر فيقدمه لها كاملا وذلك فضل منه . وبذلك يكون الاثنان قد تعاملا بخلق كريم وإحسان واضح فلا ينبغي لهما أن ينسيا هذا الفضل ، بل عليهما أن يذكراه ؛ ليظل مثل هذا التذكر سببا في استتباب الأخوة في الدين بينهما وألا يكون الفراق الذي حصل مثيرا للألم والكراهية بينهما . والله جلت قدرته مطّلع على حالهما ، وكاشف لما يبيت في نفس كل منهما ، فلا يخفى عليه شيء من ذلك ظاهرا كان أو مستورا ؛ ولذلك قال : ( إن الله بما تعملون بصير ) {[325]} .


[325]:- فتح القدير سير النسفي جـ 1 ص 120 وتفسير الطبري جـ 2 ص 328-334.