وفي هذا الجو الذي يربط القلوب بالله ، ويجعل الإحسان والمعروف في العشرة عبادة لله ، يدس حديثا عن الصلاة - أكبر عبادات الإسلام - ولم ينته بعد من هذه الأحكام . وقد بقي منها حكم المتوفى عنها زوجها وحقها في وصية تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله ، وحكم المتاع للمطلقات بصفة عامة - يدس الحديث عن الصلاة في هذا الجو ، فيوحي بأن الطاعة لله في كل هذا عبادة كعبادة الصلاة ، ومن جنسها ، وهو إيحاء لطيف من إيحاءات القرآن . وهو يتسق مع التصور الإسلامي لغاية الوجود الإنساني في قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . واعتبار العبادة غير مقصورة على الشعائر ، بل شاملة لكل نشاط ، الاتجاه فيه إلى الله ، والغاية منه طاعة الله :
( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين . فإن خفتم فرجالا أو ركبانا . فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) . .
والأمر هنا بالمحافظة على الصلوات ، يعني إقامتها في أوقاتها ، وإقامتها صحيحة الأركان ، مستوفية الشرائط . أما الصلاة الوسطى فالأرجح من مجموع الروايات أنها صلاة العصر لقوله [ ص ] يوم الأحزاب :
" شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر . ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " . . وتخصيصها بالذكر ربما لأن وقتها يجيء بعد نومة القيلولة ، وقد تفوت المصلي . .
والأمر بالقنوت ، الأرجح أنه يعني الخشوع لله والتفرغ لذكره في الصلاة . وقد كانوا يتكلمون في أثناء الصلاة فيما يعرض لهم من حاجات عاجلة . حتى نزلت هذه الآية فعلموا منها أن لا شغل في الصلاة بغير ذكر الله والخشوع له والتجرد لذكره .
ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد أن{[11138]} يضيع في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة{[11139]} الميل بالعشق والنفرة بالبغض الحامل على الإحن{[11140]} والشغل{[11141]} بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها نطاق الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال أن يقال : يا رب ! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له{[11142]} شاغل عن كل مهم فهل{[11143]} بقي له سعة لعبادتك ؟ فقيل : { حافظوا } بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة أي{[11144]} ليسابق بعضكم بعضاً في ذلك ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى العبد وربه فيكون المعنى : احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته عليكم فلا يفعل فيها فعل الناسي فيترك تشريفكم بها ، وأخصر منه أن يقال : لما ذكر سبحانه وتعالى ما بين العباد{[11145]} خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال : - وقال الحرالي : لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور : إقامة أمر الدين الذي هو ما بين العبد وربه ، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد ، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي هو{[11146]} موضع قرار العبد ، صار ما يجري{[11147]} ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلساً{[11148]} نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك{[11149]} مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب{[11150]} الأمر{[11151]} نجماً خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا ؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة{[11152]} على الصلاة لأن هذا الاشتجار{[11153]} المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره{[11154]} في الأنفس وتشاح في الأموال إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة بركة في الرزق وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان ؛ فهي دافعة للأمور التي منها{[11155]} تتضايق الأنفس وتقبل{[11156]} الوسواس ويطرقها{[11157]} الشح ، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب أثناء{[11158]} هذه الأحكام الأمر{[11159]} بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة{[11160]} هذه الأحكام - انتهى . فقال تعالى : { حافظوا{[11161]} } قال الحرالي : من المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علماً وهيئة ووقتاً وإقامة بجميع{[11162]} ما يحصل به أصله ويتم به عمله{[11163]} وينتهي{[11164]} إليه كماله ، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال : { على الصلوات } فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها ، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف التلف ، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار الأرزاق وإذلال الأعداء{ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها{[11165]} }[ طه : 132 ] و{ استعينوا بالصبر والصلاة{[11166]} }[ البقرة : 193 ] " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه{[11167]} أمر فزع{[11168]} إلى الصلاة " ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه ، ويزيده وضوحاً اكتناف آيتي{[11169]} الوفاة لهذه الآية سابقاً ولاحقاً .
وقال الحرالي : إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا ، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال{[11170]} دينه ، وملاك دينه وأساسه{[11171]} إيمانه وصلاته ، فمن حافظ على الصلوات أصلح الله حال دنياه وأخراه ، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملاً إسلامياً وخشوعاً وإخباتاً إيمانياً ورؤية{[11172]} وشهوداً إحسانياً فبذلك تتم المحافظة عليها ، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة ، كما في مسح الأذنين مع الرأس ، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته{[11173]} الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة{[11174]} ؛ ثم التزام{[11175]} التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب ، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثاً بغير طهارة ؛ ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة ، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام ، من حضر قلبه {[11176]}عند الأذان والإقامة حضر قلبه{[11177]} في صلاته ، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته ؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها ؛ وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص{[11178]} به أدنى{[11179]} ما يكون ثلاثاً فليس في الصلاة عمل{[11180]} لا نطق له ؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه ؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها{[11181]} مشاق الدنيا ، وما من عامل يعمل عملاً في وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالاً عليه وعلى من ينتفع به من عمله ، وكان ما يأخذه من أجر فيه شقى {[11182]}خبث لا يثمر له{[11183]} عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا آجلته ، وخصوصاً بعد{[11184]} أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات فلم{[11185]} يكن لدنياهم حق في الست الباقية فكيف إذا طولبوا منها بأويقات{[11186]} الأذان والصلاة وما نقص عمل من صلاة ، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات{[11187]} ملاكاً لصلاح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى . { والصلاة الوسطى } أي خصوصاً فإنها أفضل الصلوات لأنها{[11188]} أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى بيانه في{[11189]} أول السورة في قوله :{ استعينوا بالصبر والصلاة }[ البقرة : 193 ] {[11190]}فخصها سبحانه وتعالى بمزيد تأكيد وأخفاها لأداء ذلك إلى المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة القدر في رمضان ، وساعة الإجابة في يوم الجمعة ، والاسم الأعظم في جميع الأسماء ، ووقت الموت حملاً على التوبة في كل لحظة . وقال الحرالي : وما من جملة إلا ولها زهرة فكان{[11191]} في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة وخيارها وسطاها{[11192]} فلذلك خصص تعالى خيار الصلوات بالذكر ، وذكرها بالوصف إبهاماً{[11193]} ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم ، ولينتظم الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح ، ولذلك اتسع لموضع أخذها{[11194]} بالوصف مجال العلماء فيها ثم تعدت {[11195]}أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام{[11196]} في ذكرها حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما ، وفي قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها : وصلاة العصر - عطفا{[11197]} ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه بعض العلماء ، وفيه{[11198]} مساغ لمرجعه على { الصلاة الوسطى } بنفسها ليكون عطف أوصاف ، وتكون تسميتها بالعصر مدحة{[11199]} ووصفاً من حيث إن العصر خلاصة الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون{[11200]} }[ يوسف : 49 ] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل ، ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين{[11201]} حاجتي الغداء{[11202]} والعشاء التي هي مشغلتهم بحاجة{[11203]} الغذاء ؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال : فلان كريم وشجاع - إذا تم فيه الوصفان ، فإذا نقصا عن التمام قيل : كريم {[11204]}شجاع - بالاتباع ، فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر عطفاً لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى . ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى قولهم{[11205]} في الرمان المز : حلو{[11206]} حامض - من غير عطف ، وبرهانه أنهم قالوا : إن الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذناً بتمام الاتصال بينها{[11207]} فتكون الثانية إما {[11208]}علة للأولى{[11209]} وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما قاله البيانيون في باب الفصل والوصل ، ولولا إشعار الكلام الأول بالجملة الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك{[11210]} للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان{[11211]} ذلك يؤذن{[11212]} بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام : وأما أسماء الله تعالى فتتابعها دون عطف ، لأن شيئاً منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله :{ له الأسماء الحسنى{[11213]} }[ الحشر : 24 ] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما{[11214]} أفهمه مدلول الاسم العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا ، ومهما اطلعت على وصف حسن يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم ، لأن من يستحق العبادة لا يكون إلا كذلك جامعاً لأوصاف الكمال ، أو لأنه لما جبلت النفوس وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى دعا{[11215]} إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه ، وأنا لا أشك أن المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع{[11216]} إليه في إزالته{[11217]} لما ركز في جبلته{[11218]} من كماله وعظمته وجلاله ذاهلاً عما تكسبه من قُرناه السوء{[11219]} من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه{[11220]} العلوم{[11221]} حتى تصورتها {[11222]}ثم بعد فراغي من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية{[11223]} " والمستغفرين بالأسحار{[11224]} " في آل عمران - والله سبحانه وتعالى الموفق .
ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال : { وقوموا لله } {[11225]}أي الذي له الجلال والإكرام{[11226]} { قانتين * } أي مطيعين - قاله الحسن وسعيد{[11227]} بن جبير والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس . وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما{[11228]} وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل حرف ذكر من القنوت في القرآن فهو الطاعة " وقيل : القنوت السكوت ، ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال : " كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في حاجته حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " وقال مجاهد : خاشعين ، وقيل{[11229]} غير ذلك ؛ وإذا{[11230]} علم أصل معنى هذه الكلمة لغة علم أن المراد : مخلصين ، وإليه يرجع جميع ما قالوه ، وذلك أن مادة قنت بأي ترتيب كانت تدور على الضمور من القتين{[11231]} للقليل اللحم والطعم ، وقتن المسك إذا يبس ، فيلزمه الاجتذاب والخلوص ، فإنه لولا تجاذب الأجزاء{[11232]} لزوال ما بينها من المانع لم يضمر ، ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولوداً كأنها تجتذب المني كله فتظفر بما يكون منه الولد ، أو أنه لما كان المقصود الأعظم من الجماع{[11233]} الولد كانت كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم ، أو كأنها تجتذب الولد من رحمها فتخرجه ، وذلك من نتق السقاء وهو نفضه{[11234]} ، حتى يقتلع ما فيه فيخلص ، ومن ذلك : البيت المعمور{[11235]} نتاق الكعبة ، أي مطل عليها من فوق فلو أنه جاذب شيئاً من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها ، ومن الضمور : {[11236]}التقن - لرسابة{[11237]} الماء ؛ وهو الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيىء لاجتذاب العكولة ؛ ويلزم الضمور الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع ، ومنه : أمر متقن ، أي محكم ، و : رجل تقن - إذا كان حاذقاً بالأشياء ، فهو خالص{[11238]} الرأي ؛ ويلزمه الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي{[11239]} الطاعة بالدعاء وغيره فإنها جمع{[11240]} الهم على المطاع{ أمَّن هو قانت آناء الليل{[11241]} }[ الزمر : 9 ] ونحو ذلك ، والتقن{[11242]} أيضاً الطبيعة{[11243]} فإنها سر الشيء وخالصه ، ومنه الفصاحة من : تقن فلان ، أي طبعه ؛ ويلزم الضمور القيام فإنه ضمور بالنسبة إلى بقية الهيئات ؛ ومنه : أفضل الصلاة طول القنوت .
والسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام ؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه التقن للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق ؛ والقلة ومنه : قراد قتين ، أي قليل الدم ، فيأتي أيضاً السكوت والإحكام ؛ وإذا راجعت{[11244]} معاني هذه المادة وهي قنت وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا ، وإذا علم ذلك علم{[11245]} أن الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء{[11246]} رضي الله تعالى عنهم{[11247]} ، وذلك أن الصلاة إذا{[11248]} أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها وذلك محض الطاعة والخشوع . وقال الحرالي : القنوت الثبات{[11249]} على أمر الخير وفعله ، وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام عسير عليهم ، وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا يقع التفات للخلق ، فلذلك لزم الصمت عن الخلق من معناه ، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة ، ففي إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتاً في صلاته أقام الله سبحانه وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله ، كما يشير إليه معنى آية
{ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك{[11250]} }[ طه : 32 ] ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة في الرزق - انتهى . وحديث زيد هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن{[11251]} على الحدود التي صارت{[11252]} إليها آخراً ؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحاً فيها كما كان الكلام ، ويؤيده أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي نص بالمنع ، وبهذا يزول ما في حديث ذي اليدين من الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل للمصلي إذا ظن أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه فيها ، " لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية المسجد فاتكأ عليها وخرج سرعان الناس ، فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل الناس فصدقوه ، فرجع فأكمل الصلاة " فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان قبل تحريم {[11253]}الأفعال والأقوال{[11254]} بهذه الآية . ويؤيد احتمال إباحة الأفعال أولاً اتباع الآية بقوله تعالى : { فإن خفتم }
قوله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا آمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) ذلك خطاب من الله لعباده المؤمنين آمرا إياهم أن يحافظوا على الصلوات كلها ، وذلك بإقامتها وأدائها تامة غير منقوصة ، سواء في ذلك شروط الصلاة وأركانها من قيام وقراءة وركوع وسجود وقعود وخشوع .
أما الصلاة الوسطى فهي موضع خلاف العلماء سلفا وخلفا .
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنها الصبح ؛ وتوجيه هذا القول أن ما قبلها صلاتا ليل يُقرأ فيهما جهرا ، وما بعدها صلاتا نهار يُقرأ فيهما سرا . وكذلك فإن وقت الصبح يأتي والناس نيام فيجد الناس في أداء الصلاة في هذا الوقت مشقة وجهدا ؛ وذلك لشدة البرد في الشتاء وقصر الليل في الصيف .
وقيل : إنها الظهر ؛ لأنها وسط النهار . وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة- رضي الله عنهم أجمعين-
وقيل : إنها المغرب ؛ لأنها متوسطة في عدد الركعات ، فهي ليست بأقل الركعات ولا بأكثر ولا قصر لها في السفر وأنها قبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر .
وقيل : إنها صلاة العشاء الآخرة ؛ لأنها تجيء في وقت من النوم يهجع فيه الناس ، فأراد الله أن يؤكد على الاهتمام بها وعدم التفريط فيها .
وقيل : إنها العصر . وهو الذي مال إليه أكثر العلماء من صحابة وتابعين ومذاهب . فهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وحفصة وأم سلمة وابن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير وابن سيرين والحسن البصري ، وهو مذهب أحمد بن حنبل والشافعي وأبي حنيفة وبعض المالكية . وقد استدلوا لذلك بجملة نصوص من السنة منها ما أخرجه أصحاب السنن عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء .
وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن سمرة بن جندب أن رسول الله ( ص ) قال : " صلاة الوسطى صلاة العصر " .
وروى ابن جرير الطبري بإسناده عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله ( ص ) : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " وأحاديث أخرى من طرق متعددة وكثيرة يمكن الاحتجاج بها على أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر .
وقوله : ( وقوموا لله قانتين ) ( قانتين ) منصوب على الحال . والقنوت معناه الطاعة والخشوع والسكوت والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام{[326]} والدعاء إلى الله في ضراعة وتذلل . وعلى هذا فمقصود الآية أن يدعو الناس ربهم في خشوع وتذلل ، وأن يكونوا له طائعين مستسلمين ولأمرع وشرعه ممتثلين منفذين ، وقيل : إن المراد بالقنوت في الآية السكوت في الصلاة . واستدل القائلون بهذا الرأي بأن هذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة ، فقد كان الكلام في الصلاة في صدر الإسلام مباحا ، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله ( ص ) وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، فقلنا : يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ؟ فقال : " إن في الصلاة شغلا " .
وروي عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ( وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
وجاء في صحيح مسلم أن النبي ( ص ) قال لمعاوية بن الحكم السلمي حسن تكلم في الصلاة : " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وكر الله " .
والذي نرجحه أن تكون الآية شاملة لكل هذه المعاني ، فالمسلم مدعو أن يكون قانتا لله بكل ما يتضمنه القنوت من معنى . وهو مدعو كذلك أن يلتزم بالسكوت في الصلاة . وأيما كلام في الصلاة يفسدها إن كان ذلك عمدا ولغير حاجة ملحّة أو ضرورية .
أما إن كان الكلام في الصلاة لحاجة ملحة كأن يكون ذلك لإحياء نفس توشك أن تهلك فإنه جائز ، فمن قطع صلاته لمثل هذا السبب كالذي يقطعها لينبه ضريرا مارا في الطريق ومن أمامه بئر يوشك أن يقع فيها فإن عليه أن يبني على صلاته ولا يستأنفها . وقيل غير ذلك .
وإن كان الكلام في الصلاة سهوا فإنه لا يفسدها ، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية خلافا للحنفية الذين ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة سهوا يفسدها .
والراجح ما ذهب إليه المالكية والشافعية استنادا إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .
ويستفاد من الآية كذلك وجوب القيام في صلاة الفرض إن كان المصلي صحيحا قادرا سواء كان إماما أو منفردا . ي قول الرسول ( ص ) في ذلك : " إنما جُعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما " . وتفصيل ذلك في مظانّه من كتب الفقه .