في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (264)

261

وعندما يصل التأثر الوجداني غايته . . بعد استعراض مشهد الحياة النامية الواهبة مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، دون أن يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى ، وبعد التلويح بأن الله غني عن ذلك النوع المؤذي من الصدقة ، وأنه وهو الواهب الرازق لا يعجل بالغضب والأذى . . عندما يصل التأثر الوجداني غايته بهذا وذاك ، يتوجه بالخطاب إلى الذين آمنوا ألا يبطلوا صدقاتهم بالمن والأذى . ويرسم لهم مشهدا عجيبا - أو مشهدين عجيبين يتسقان مع المشهد الأول . مشهد الزرع والنماء . ويصوران طبيعة الإنفاق الخالص لله ، والإنفاق المشوب بالمن والأذى . على طريقة التصوير الفني في القرآن ، التي تعرض المعنى صورة ، والأثر حركة ، والحالة مشهدا شاخصا للخيال :

( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، كالذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فمثله كمثل صفوان عليه تراب ، فأصابه وابل ، فتركه صلدا ؛ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ، والله لا يهدي القوم الكافرين . ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة . أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ؛ فإن لم يصبها وابل فطل ، والله بما تعملون بصير ) . .

هذا هو المشهد الأول . .

مشهد كامل مؤلف من منظرين متقابلين شكلا ووضعا وثمرة . وفي كل منظر جزئيات ، يتسق بعضها مع بعض من ناحية فن الرسم وفن العرض ؛ ويتسق كذلك مع ما يمثله من المشاعر والمعاني التي رسم المنظر كله لتمثيلها وتشخيصها وإحيائها .

نحن في المنظر الأول أمام قلب صلد :

( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) . .

فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته . ولكنه يغطي هذه الصلادة بغشاء من الرياء .

هذا القلب الصلد المغشى بالرياء يمثله ( صفوان عليه تراب )حجر لا خصب فيه ولا ليونة ، يغطيه تراب خفيف يحجب صلادته عن العين ، كما أن الرياء يحجب صلادة القلب الخالي من الإيمان . .

( فأصابه وابل فتركه صلدا ) . .

وذهب المطر الغزير بالتراب القليل ! فانكشف الحجر بجدبه وقساوته ، ولم ينبت زرعه ، ولم يثمر ثمرة . . كذلك القلب الذي أنفق ماله رئاء الناس ، فلم يثمر خيرا ولم يعقب مثوبة !

/خ274

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (264)

ولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى ما عري{[12810]} منها عنه{[12811]} أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله {[12812]}والنص على محقه لها وإبطاله{[12813]} وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن { لا تبطلوا } قال الحرالي : فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى { صدقاتكم بالمن والأذى } فربما وازى{[12814]} عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان{[12815]} كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب . قال الحرالي : فألحق عمل الإخلاص بآفة{[12816]} ما تعقبه بما بني على أصل الرياء{[12817]} - انتهى . فقال : { كالذي ينفق ماله } لغير الله ، إنما ينفقه { رئاء الناس } أي لقصد أن يروه . قال الحرالي : هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه .

ولما شبه{[12818]} المانّ والمؤذي{[12819]} بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء{[12820]} نفرة{[12821]} منه وأبعده{[12822]} عنه و{[12823]}كان لمن يرائي{[12824]} حالان ألحقه بأشدهما فقال : { ولا يؤمن بالله } أي الذي له صفة{[12825]} الكمال { واليوم الآخر }{[12826]} الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد{[12827]} الأعمال جيدها من{[12828]} رديئها . قال الحرالي : ولما ضرب مثلاً {[12829]}لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً{[12830]} لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال : { فمثله } في إنفاقه{[12831]} مقارناً لما يفسده ، ومثل نفقته { كمثل صفوان } وما زرع عليه ، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا{[12832]} تقبل{[12833]} انصداعها بالنبات - انتهى . { عليه تراب }{[12834]} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه{[12835]} .

ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر {[12836]}ما زالت{[12837]} بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل : { فأصابه }{[12838]} أي عقب كون التراب عليه من غير مهلة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة{[12839]} لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها { وابل } أي مطر كثير فأزال التراب عنه { فتركه صلداً } أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور ، فجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر ، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر{[12840]} الحارث{[12841]} على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف .

ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة{[12842]} بقوله{[12843]} : { لا يقدرون } أي الممثل لهم والممثل بهم { على شيء مما كسبوا } فالآية{[12844]} من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير : فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين ، عطف عليه معلماً أنه يعمي{[12845]} البصراء{[12846]} عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله : { والله }{[12847]} {[12848]}الذي له الحكمة كلها{[12849]} { لا يهدي } أي لوجه مصلحة . ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى{[12850]} محاسن عمله بما جره{[12851]} من السوء{[12852]} قال : { القوم الكافرين } وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه .


[12810]:من ط، وفي م ومد: عزى، وفي الأصل: عرف.
[12811]:زيد من م وظ ومد.
[12812]:ليست في ظ.
[12813]:ليست في ظ.
[12814]:من م ومد وظ، وفي الأصل: واذي ـ كذا بالذال.
[12815]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فكأنه.
[12816]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بانة، وفي م: باية.
[12817]:في الأصل: الرويان والتصحيح من م ومد وظ.
[12818]:في م: يشبه.
[12819]:في الأصل: والأذى والوذى، والتصحيح من م و ظ ومد.
[12820]:من م وظ، وفي مد: أشدى، وفي الأصل: أسدى ـ كذا.
[12821]:في مد: نفس.
[12822]:من ظ، وفي الأصل وم ومد: أبعد.
[12823]:ليس في مد.
[12824]:في الأصل: يران، والتصحيح من م ظ ومد.
[12825]:في مد وظ: صفات.
[12826]:زيد في م: أي.
[12827]:في الأصل: نفذ، وفي م: فقد، وفي مد: نقذ، والتصحيح من ظ.
[12828]:من م ومد وظ، وفي الأصل: و.
[12829]:ليست في م.
[12830]:ليست في م.
[12831]:في مد: نفاقه.
[12832]:زيد من م وظ ومد.
[12833]:في ظ: لا يقبل.
[12834]:زيد في م وظ ومد: أي.
[12835]:العبارة من هنا إلى "للعمل" ليست في ظ.
[12836]:في مد: بإزالته.
[12837]:في مد: بإزالته.
[12838]:العبارة من هنا إلى "فـأفسدها" ليست في ظ.
[12839]:من م ومد، وفي الأصل: صنفه.
[12840]:في الأصل: به، والتصحيح من م وظ ومد.
[12841]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الحرث.
[12842]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ترجمة.
[12843]:زيد في ظ: و.في م ومد وظ: والآية.
[12844]:في ظ: تعمى.
[12845]:من م ومد وظ، وفي الأصل: البصر.
[12846]:زيد في مد: أي.
[12847]:ليست في ظ.
[12848]:ليست في ظ.
[12849]:من مد، وفي الأصل وم وظ: عطى ـ كذا.
[12850]:في ظ: جر.
[12851]:في ظ: جر.
[12852]:في الأصل: السوق، والتصحيح من م ومد وظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (264)

ثم يعاود الحق سبحانه دعوة العباد أن يخلصوا في العمل ومنه الصدقات فلا يبطلوها بالمن والأذى . فقال سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ويستفاد من ذلك أن الصدقات للسائلين يحبطها المن والأذى لتصبح بذلك مجرد عمل من الأعمال التي تجري دون وزن أو حساب . وقوله : ( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) الكاف في محل نصب لمصدر محذوف وتقديره : إبطالا كالذي . و ( رثاء ) ، مفعول لأجله منصوب . وقيل : حال . وقيل : وصف لمصدر محذوف وتقديره : إنفاقا رئاء الناس{[344]} . والله جل وعلا يحذر م بطلان الصدقات التي يعقبها المن والأذى . وشبيه بذلك بطلان صدقة المنفقين الذين يراؤون الناس . أولئك الذين ينفقون وهم يظهرون أنهم يبتغون وجه الله ، لكنهم في حقيقة نواياهم يخفون غير ذلك ، إذ يبتغون بنفقاتهم وصدقاتهم حسن الثناء والذكر وتمام الشهرة والمديح . ومعلوم أن أساس القبول للأعمال منوط بسلامة النوايا واستقامتها " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " ولا يكون الإنسان مرائيا منافقا يبتغي بعمله وصدقاته غير وجه الله إلا كان كالمنافق الذي ينفق أمواله رياء وطلبا لإرضاء الناس ولا يبتغي بذلك ثواب الآخرة فهو غير مؤمن بها ؛ لذلك قال سبحانه : ( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) أي أن المنانين يبطلون صدقاتهم بمنهم وأذاهم ، وهم في ذلك يشبهون المنافقين المرائين الذين يبتغون بنفقاتهم وصدقاتهم ثناء الناس وإطراءهم ، ولا يبتغون وجه الله ، فأولئك فاسقون كفرة لا يؤمنون بالله ولا بيوم القيامة .

وقوله : ( فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ) ( صفوان ) جمع ومفردة صفوانة . وقيل : مفرد بمعنى الصفا وهو الصخر الأملس . والصلد هو الحجر الأملس{[345]} وذلك هو مثل الذي ينفق أو يتصدق ثم يبطل عمله بالمن والأذى أو لرياء . فمثله كالحجر الذي يغطيه التراب حتى إذا أصاب ( وابل ) وهو المطر الشديد{[346]} ، بات عاريا أملس مجردا من التراب الذي يغطيه ، والذي ينبعث منه الخير والرزق والنماء والبركة .

وتلك حال المتصدق المنان أو المرائي ، فإن عمله حابط متجرد من الثواب والقيمة كالصخر الذي يتجرد من التراب مصدر الخير والبركة ، كلما أصابه مطر غزير ليصبح بعد ذلك حاسرا مكشوفا أملس لا خير فيه .

وقوله : ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) هؤلاء المنانون المراؤون لا ينالون شيئا من ثواب بدلا عما قدموه من صدقات وأعمال ، بل إن ما قدموا من عمل خالطته المنة لا جرم حابط .

قوله : ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) هؤلاء المنانون المراؤون الذين لا يبتغون وجه الله أشبه بالكافرين ، فهم لا يهتدون إلى سبيل الحق والنجاة ، وليس لهم من الله دليل يقودهم إلى الخير ، لأنهم ركنوا إلى الأهواء والشهوات . وذلك تعريض بحال منانين ، وتنبيه على أن الرياء والمن والأذى في الإنفاق من صفات الكافرين . وفي ذلك تحذير للمؤمنين ؛ لينأوا بأنفسهم عن مفسدة الرياء في النفقات .


[344]:- البيان للأنباري ج1 ص 174.
[345]:- مختار الصحاح ص 366.
[346]:- مختار الصحاح ص 707.