في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

30

( فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه ) . .

ويا للتعبير المصور : ( أزلهما ) . . إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبر عنها . وإنك لتكاد تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة ، ويدفع بأقدامهما فتزل وتهوي !

عندئذ تمت التجربة : نسي آدم عهده ، وضعف أمام الغواية . وعندئذ حقت كلمة الله ، وصرح قضاؤه :

( وقلنا : اهبطوا . . بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) . .

وكان هذا إيذانا بانطلاق المعركة في مجالها المقدر لها . بين الشيطان والإنسان . إلى آخر الزمان .

/خ39

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

ثم بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية{[1875]} خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه فقال : { فأزلهما } ، قال الحرالي : من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه كتزلل الزلال عن{[1876]} الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار ، وأزالهما من الزوال وهو التنحية عن المكان أو المكانة وهو المصير بناحية منه ؛ { الشيطان } هو مما أخذ من أصلين : من الشطن وهو البعد الذي منه سمي الحبل الطويل ، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن ، فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان وملائكة { عنها } أي عن مواقعة الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت كقولهم : رميت عن القوس - انتهى .

{[1877]}وتحقيقه{[1878]} فأصدر الشيطان زلتهما أو زوالهما{[1879]} عنها { فأخرجهما{[1880]} } أي فتسبب عن إيقاعهما في الزلل الناشىء عن تلك المواقعة أنه أخرجهما { مما كانا فيه } من النعمة العظيمة التي تجل عن الوصف . قال الحرالي : " في " كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة ، ثم قال : أنبأ الله عز وجل بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة بما أظهر من أمر{[1881]} آدم عليه السلام وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقاً حين قاسمهما على النصيحة ، وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم فحذرت الملائكة إلى الغاية ، فجاء من وراء حذرهما حمد أظهره الله من آدم ، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان على سبيل سكن الجنة فرمى{[1882]} بهما عن سكنها بما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي اطلع عليها . ثم قال : وحكمة ذلك أي{[1883]} نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه{[1884]} ، إن الله {[1885]}عز وجل{[1886]} يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة ولا ينالهم شر إلا{[1887]} بواسطة نفس ، كما وقع من الإباء للشيطان ، فكانت خطيئته في ذات نفسه أو بواسطة شيطان كما كانت مخالفة آدم ، فكانت خطيئته ليست{[1888]} من ذات نفسه وعارضةً عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى مأمنه من زوجه{[1889]} التي هي من أدنى خلقه فمحت التوبة الذنب العارض لآدم وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان ؛ وذكر الحق تعالى الإزلال منه باسمه الشيطان لا باسمه إبليس لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة التي تقبل التلافي ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء ، فكان في ذلك بشرى استدراك آدم بالتوبة - انتهى .

ولما بين أنه غرهما فضرهما بين إهباط الغارّ والمغرور وبين أنه أنعم{[1890]} على المغرور دون الغار مع ما سبق له من لزوم العبادة وطول التردد في الخدمة ، وفي ذلك تفخيم للنعمة استعطافاً إلى الإخلاص في العبادة فقال عاطفاً على ما يرشد إليه السياق من نحو أن يقال فتداركناهما بالرحمة وتلافينا{[1891]} خطأهما بالعفو لكونه عارضاً منهما بسبب خارج ، وأبّدنا تلافي{[1892]} الغار بشقائه لعصيانه بالضلال والإضلال عن عمد فكان مغضوباً عليه { وقلنا } أي له وللمغرور : { اهبطوا{[1893]} } {[1894]}وفي ذلك لطف لذريته بالتنفير من الخطأ والترهيب الشديد من جريرته والترغيب العظيم على تقدير الوقوع فيه في التوبة والهبوط .

قال الحرالي : سعى في درك والدرك مَا يكون نازلاً عن مستوى ، فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في حياطته تعالى وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته ؛ وأهبط صورته ليظهر {[1895]}في ذلك{[1896]} فرق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتاً إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له{[1897]} - من ربه ، وإنظار إبليس في الأرض مصراً منقطعاً عن{[1898]} مثل معاد آدم لما{[1899]} نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة { بعضكم لبعض } البعض{[1900]} ما اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة ، { عدو } من العداء{[1901]} أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين{[1902]} من حق المعاونة - انتهى . فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه{[1903]} باتباع الأوامر واجتناب النواهي .

قال الحرالي : وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء{[1904]} من ولد آدم حتى صاروا من حزبه ، وفيه أيضاً بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عمّ بالعداوة ، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه{[1905]} على أهل الشر خيراً ، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شراً . { ولكم في الأرض مستقر } تكونون فيه ، وهو من القرار{[1906]} وهو كون الشيء فيما له فيه{[1907]} تنام وظهور وعيش موافق ؛ { ومتاع } تتمتعون{[1908]} به ، والمتاع{[1909]} هو الانتفاع بالمنتفع به وقتاً منقطعاً يعرف نقصه بما هو أفضل منه ، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا فيه ، من حيث إن لفظ المتابع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان وكلابها{[1910]} ، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة ؛ { إلى حين } أي لا يتقدم ولا يتأخر ، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين ، فمنهم الذي يناله الأجل صغيراً ، ومنهم الذي يناله كبيراً - انتهى{[1911]} .


[1875]:في ظ: يقتضيه.
[1876]:في م: على.
[1877]:العبارة من هنا إلى "عنها" ليست في ظ.
[1878]:قال البيضاوي: أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما، ويعضده قراءة حمزة "فأزالهما وهما يتقاربان في المعنى غير أن أزل يقتضي عثرة مع الزوال. وجعل سيبويه نونه تارة أصلية على أنه من شطن إذا بعد فإنه بعيد عن الصلاح، ويشهد له قولهم: تشيطن، وأخرى زائدة من شاط إذا بطل ومن أسمائه الباطل.
[1879]:في م: زوالهما.
[1880]:قال علي المهائمي "فأخرجهما مما كانا فيه" من الكرامات، قيل أتى باب الجنة فمنعته الخزنة، فجاءته الحية فسألها الدخول بفيها، فأدخلته فوقف بين يدي آدم فقال: هل أدلك على شجرة الخلد؟ فلم يقبل: "فقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" فاغتر فبادرت حواء ثم ناولت آدم فصدرت هذه المعصية من آدم قبل النبوة بنسيان جرم النهي بتغرير إبليس وإنسائه قوله "فتكونا من الظالمين" – انتهى.
[1881]:في م: علم.
[1882]:في مد: مي من – كذا.
[1883]:زيد في ظ: و.
[1884]:في ظ: بتشبيه.
[1885]:ليس في ظ.
[1886]:ليس في ظ.
[1887]:في م: إلى.
[1888]:ليس في م.
[1889]:في م: روحة – كذا.
[1890]:قال الخطيب الشربيني: قال ابن عباس رضي الله عنهما قال الله تعالى لآدم: أليس فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال: فبعزتي لأهبطنك في الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا فاهبطا من الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم درسه ثم ذرأه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله. قال إبراهيم ابن أدهم: أورثنا تلك الأكلة حزنا طويلا.
[1891]:وفي التفسير المظهري: قال سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال الله تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء، قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها في الشهر مرتين فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك.
[1892]:في الأصل: تلاف.
[1893]:قال علي المهائمي: "اهبطوا" من دار كرامتنا إلى دار الابتلاء وأقله العداوة والمضرة في الدنيا والدين إذ "بعضكم لبعض عدو" يعاديكم إبليس بالإضلال والحياة باللدغ "و" لا رجوع لكم إلى الجنة عن قريب إذ "لكم في الأرض مستقر" أي مدة استقرار يوقع في الأمل "ومتاع" يوقع في الشهوات وينسى نعيم الجنة "إلى حين" أي القيامة على ظهرها أو في بطنها.
[1894]:العبارة من هنا إلى "في التوبة" ليست في ظ.
[1895]:في ظ: بذلك.
[1896]:في ظ: بذلك.
[1897]:ليس في ظ.
[1898]:في م: على.
[1899]:في مد: بما.
[1900]:وفي البحر المحيط: بعض أصله مصدر بعض يبعض بعضا أي قطع، ويطلق على الجزء، ويقابله كل، وهما معرفتان لصدور الحال منهما في فصيح الكلام.
[1901]:في البحر المحيط: العدو من العداوة وهي مجاوزة الحد، يقال: عدا فلان طوره، إذا جاوزه، وقيل: العداوة التباعد بالقلوب، من عدوى الجبل وهما طرفاه، سميا بذلك لبعد ما بينهما، وقيل: من عدا أي ظلم، وكلها متقاربة في المعنى، والعدو يكون للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.
[1902]:في ظ: المستلفين.
[1903]:في ظ: صاحبه.
[1904]:في ظ: ذراء.
[1905]:في م : عداوه.
[1906]:قال أبو حيان الأندلسي: المستقر مستفعل من القرار وهو اللبث والإقامة، ويكون مصدرا وزمانا ومكانا.
[1907]:ليس في ظ.
[1908]:في م: يتمتعون.
[1909]:في البحر المحيط: المتاع ما استمتع به من المنافع أو الزاد أو الزمان الطويل أو التعمير "إلى حين" إلى الموت أو إلى قيام الساعة أو إلى أجل قد علمه الله – قاله ابن عباس: ويمكن أن يفسر قوله "مستقر ومتاع إلى حين" بقوله "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" وفي قوله "إلى حين" دليل على عدم البقاء في الأرض ودليل على المعاد، وفي هذه الآية التحذير عن مخالفة أمر الله بقصد أو تأويل وأن المخالفة تزيل عن مقام الولاية.
[1910]:في ظ: كلابهما – كذا.
[1911]:ليس في ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

قوله : فأزلهما الشيطان عنها أزلهما من الإزالة أو الزوال بمعنى الصرف والإبعاد ، وقريب من هذا المعنى وهي التنحية ، وثمة قول آخر وهو يتضمن معنى الزلل ، أي أن الشيطان قد أوقع آدم وحواء في الزلل وهي الخطيئة بمعصية الله سبحانه ، والذي يعول عليه هو القول الأول والذي يذهب إلى أن الكلمة تعني التنحية والإبعاد عن الجنة بسبب المعصية ، وعلى ذلك يكون قوله : ( عنها ( معناه : بسببها أي بسبب الخطيئة المقترفة ، والشيطان من الفعل شطن أي بعد وأشطن أي أبعد عن الخير والحق ونقول : تشيطن أي فعل فعل الشيطان ، وهو البعد عن الخير والحق .

والمصدر شطون وهو البعد ، وعلى ذلك فالشيطان كلمة تتضمن الكائن الجني أو الإنسي البعيد عن الخير والحق ، فهو بذلك الكائن العاتي المتمرد الذي تجتمع في كيانه كمل مسالك الشر والباطل ، والذي يسعى في الأرض ليثير فيها أسباب الفساد والشر وكل ظواهر الأذى والباطل .

قوله : ( فأخرجهما مما كانا فيه ( قد أنزل الشيطان آدم وزوجه بإبعادهما وتنحيتهما عن الجنة حيث النعيم ، المقيم وحيث الخير والأمن والعيش الرغيد ، وقد كان ذلك حسدا من ذلك الكائن المتمرد اللعين الذي جهد في إغواء آدم ليخرجه وزوجه مما كانا فيه من نعيم الجنة .

قوله : ( وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ( كان ذلك قرارا ربانيا حاسما لا معقب له ، وهو أن يهبطوا من الجنة ليكون بعضهم لبعض عدو ، والهبوط معناه النزول من عل إلى أسفل واختلف في حقيقة المخاطبين الذين تشير إليهم واو الجماعة في قوله : ( اهبطوا ( ولعل الراجح في ذلك أنهم آدم وزوجه حواء ثم إبليس ، وقيل المقصود هم آدم وزوجه وذريتهما من بعدهما ، لكن القول الأول أقرب للصواب وذلك بالنظر للإيحاء الذي يشير إليه قوله : ( عدو ( ذلك أن بني آدم في صراع محتوم ومستديم مع الشياطين ، سواء منهم شياطين الجن أو شياطين الإنس ، فكلهم شياطين يوحون لبني البشر بالفتنة وصنع الموبقات ليظلوا في عناء وعنت في هذه الدنيا وليكتب للهالكين منهم وتعس وسوء مصير .

وحقيقة النزول هنا يمكن تصورها على أنها مفهوم نسبي ، وذلك بالنظر لتصور الإنسان الحسي عن الهبوط أو الانحدار مما هو عال مرتفع مزعوم ليقول ألا هبوط أو نزول ما دامت الأجرام تدور في أفلاكها وسط هذا الفضاء الرحيب .

قوله : ( بعضكم لبعض عدو ( عدو من العدوان وهو الظلم ، أو مجاوزة الحد كما قيل والعدوان هنا مجاوزة الحد حاصلان في هذه الدنيا بما تحويه على متنها من خلائق من البشر أو الشياطين ، والبشر في هذه الحياة تدور فيما بينهم قوارع الصراع المحتدم وعواتي الظلم اللجوج ما دامت النفوس يحفزها الهوى الجانح أو الأنانية الضاغطة ، وكذلك فإن الصراع عات ومحموم بين البشر أنفسهم و الشياطين ، و كلا الفريقين يمران في الأرض لا يبرحهما الكيد و العداء و التربص .

و على ذلك فإن بني آدم و الشياطين بعضهم لبعض عدو فضلا عن العداء الذي يدور بين بني آدم أنفسهم ، و سوف تظل الحال على هذا المنوال من العدوان المستحكم في هذه الأرض ومن عليها حتى يرث الله الأرض و من عليها . مع أنه قد قيل في المقصود من هذه الآية بأن العدوان المستحكم بين الناس أنفسهم و فيما بينهم .

و في تقديرنا أن هذا القول أن هذا القول مرجوح و أن القول الأول لهو الصواب و الله أعلم .

قوله : ( و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين ) الجار و المجرور في قوله : ( لكم ) في محل رفع خبر مقدم ، و مستقر مبتدأ . الله جل جلاله يقرر بعد هبوط آدم إلى الأرض أن له و ذريته مستقرا و هو القرار المؤقت . و أن لهم كذلك فيها متاع ، و هو كل ما يستمتع به من زاد أو كساء أو حديث أو صحبة أو مأوى . على أن ذلك كله يتسم بالتوقيت المحدود الذي ينتهي بعد حين و هو قدوم الموت . و على ذلك فإن الاستقرار و المتاع على هذه الأرض يكونان حال الحياة و قبل انتهاء الأجل ، فالمقصود بقوله : ( حين ) الموت . و قيل : معناه قيام الساعة . و لا نتصور هذا ، بل إن القول الأول هو الراجح .