وعلى الجانب الآخر مشهد الكفار ، الذين لا يتقون الله ولا يبتغون إليه الوسيلة ولا يفلحون . . وهو مشهد شاخص متحرك ؛ لا يعبر عنه السياق القرآني في أوصاف وتقريرات ، ولكن في حركات وانفعالات . . على طريقة القرآن في رسم مشاهد القيامة ؛ وفي أداء معظم الأغراض :
{ إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ، ومثله معه ، ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ، ولهم عذاب أليم . يريدون أن يخرجوا من النار ، وما هم بخارجين منها ، ولهم عذاب مقيم } . .
إن أقصى ما يتصوره الخيال على أساس الافتراض : هو أن يكون للذين كفروا كل ما في الأرض جميعا . ولكن السياق يفترض لهم ما هو فوق الخيال في عالم الافتراض . فيفرض أن لهم ما في الأرض جميعا ، ومثله معه ؛ ويصورهم يحاولون الافتداء بهذا وذلك ، لينجوا به من عذاب يوم القيامة . ويرسم مشهدهم وهم يحاولون الخروج من النار . ثم عجزهم عن بلوغ الهدف ، وبقاءهم في العذاب الأليم المقيم . .
ولما{[25743]} كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة : التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلاً للوصف الأول وهو الإيمان ، ناسب كل المناسبة تحذيراً من تركها ذكرُ حال الكفار وأنه لا تنفعهم{[25744]} وسيلة في تلك الدار فقال معللاً لما قبله : { إن الذين كفروا } أي بترك ما في الآية السابقة ، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة في التحذير { لو أن لهم ما في الأرض } وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق الظرف والمظروف فقال : { جميعاً } أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جداً منه ، وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال ، وزاد الأمر هولاً بقوله : { ومثله } ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرَّقاً قال { معه } .
ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان عند{[25745]} الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون ، والإفهام بأن المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه{[25746]} أن يفرض من الأمثال ، أعاد الضمير على هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفرداً{[25747]} ، فقال معبراً بالمضارع الدال على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار و{[25748]} لأن السياق{[25749]} للمتصفين بالكفر والمحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض بالفساد ، ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية : { ليفتدوا به } أي يجددوا الافتداء في كل لحظة ، أي{[25750]} بما ذكر { من عذاب يوم القيامة } .
ولما كان المراد تهويل الأمر بردّه ، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الرادّ ، قال : { ما تقبل منهم } بالبناء للمفعول ، أي على حالة من{[25751]} الحالات وعلى يد من{[25752]} كان ، لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق .
ولما كان من النفوس ما{[25753]} هو سافل{[25754]} لا ينكّبه الرد{[25755]} ، وكان الرد{[25756]} لأجل إمضاء المُعَدِّ من العذاب ، قال مصرحاً بالمقصود : { ولهم } أي بعد ذلك { عذاب أليم * } أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم{[25757]} لما أظهروا من شموس{[25758]} البيان ، وانتهكوا من حرمات الملك الديان .
قوله : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } ذلك تيئيس للكافرين من النجاة يوم القيامة . إذ لا مناص لهم يومئذ من العذاب الأليم . ولسوف تحيق بهم دواهي القيامة وأهوالها من التحريق وضروب التنكيل مما يجل عن الوصف وما لا تذكره الأذهان والأبصار . إنه لا نجاة لهؤلاء الظالمين المستكبرين من عذاب الله ، ولو بذلك ملء الأرض من الكنوز والخيرات ومثل ذلك معه ليجعلوه فدية لأنفسهم ما كان ذلك ليقبل منهم بل إن عذاب الله واقع بهم لا محالة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.