في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

71

( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانهاً ! إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، ومتعناهم إلى حين ) . .

وهو تحضيض ينسحب على الماضي ، فيفيد أن مدلوله لم يقع . . ( فلولا كانت قرية آمنت )من هذه القرى التي مر ذكرها . ولكن القرى لم تؤمن . إنما آمنت منها قلة ، فكانت الصفة الغالبة هي صفة عدم الإيمان . . ذلك فيما عدا قرية واحدة - والقرية : القوم ، والتسمية هكذا إيذان بأن الرسالات كانت في قرى الحضر ولم تكن في محلات البدو - ولا يفصل السياق هنا قصة يونس وقومه ، إنما يشير إلى خاتمتها هذه الإشارة ؛ لأن الخاتمة وحدها هي المقصودة هنا . فلا نزيدها نحن تفصيلاً . وحسبنا أن ندرك أن قوم يونس كان عذاب مخز يتهددهم ، فلما آمنوا في اللحظة الأخيرة قبل وقوعه كشف عنهم العذاب ، وتركوا يتمتعون بالحياة إلى أجل . ولو لم يؤمنوا لحل العذاب بهم وفاقاً لسنة الله المترتبة آثارها على تصرفات خلقه . . حسبنا هذا لندرك أمرين هامين :

أولهما : الإهابة بالمكذبين أن يتعلقوا بخيوط النجاة الأخيرة ، فلعلهم ناجون كما نجا قوم يونس من عذاب الخزي في الحياة الدنيا . وهو الغرض المباشر من سياقة القصة هذا المساق . .

وثانيهما : أن سنة الله لم تتعطل ولم تقف بكشف هذا العذاب ، وترك قوم يونس يتمتعون فترة أخرى . بل مضت ونفذت . لأن مقتضى سنة الله كان أن يحل العذاب بهم لو أصروا على تكذيبهم حتى يجيء . فلما عدلوا قبل مجيئه جرت السنة بإنجائهم نتيجة لهذا العدول . فلا جبرية إذن في تصرفات الناس ، ولكن الجبرية في ترتيب آثارها عليها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ} (98)

ولما كان هذا موضع أن يقال : إنما تطلب الآيات لما يرجى من تسبب الإيمان عنها ، تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى : { فلولا } أي فهلا { كانت قرية } أي واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها { آمنت } أي آمن قومها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب { فنفعهآ } أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها -{[38612]} { إيمانها } ولما كان المعنى " لولا " النفي ، كان التقدير : لكن{[38613]} لم تؤمن{[38614]} قرية منهم إلاّ عند صدم العذاب كما فعل فرعون ، لو آمن عند رؤية البحر على حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قُبِل ، ولكنه ما آمن إلا بعد انهماره{[38615]} ومسه . وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من الإيمان بالغيب { إلاّ قوم يونس } فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم { لمآ آمنوا } ودل على أنه {[38616]}قد كان{[38617]} أظلهم بقوله : { كشفنا } أي بعظمتنا { عنهم } أي حين إيمانهم ، روي أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلاّ قدر ميل { عذاب الخزي } أي الذي كان يوجب لهم لو برك عليهم هوان الدارين { في الحياة الدنيا } أي فلم يأخذهم وقت رؤيتهم له { ومتعناهم } أي{[38618]} تمتيعاً عظيماً { إلى حين } و{[38619]} هو انقضاء آجالهم مفرقة كل واحد منهم في وقته المضروب له ، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره{[38620]} المسند عن ابن{[38621]} أبي عمر قال : قال{[38622]} سفيان الثوري : { فلولا كانت قرية آمنت } قال : فلم تكن قرية آمنت ، وهذا تفسير معنى الكلام ، وأما " لولا " فهو بمعنى هلا ، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث ، أي توبيخ ، وهي هنا{[38623]} للتوبيخ . ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى " لم لا " ، ويلزم كلا من المعنيين النفي ؛ والنفع : إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة ؛ والخزي{[38624]} هو أن يفضح صاحبه ، وهو وضع من القدر للغم{[38625]} الذي يلحق به ، وأصله التعب .


[38612]:زيد من ظ.
[38613]:سقط من ظ.
[38614]:من ظ، وفي الأصل: لم يؤمن.
[38615]:من ظ، وفي الأصل: انهمار.
[38616]:في ظ: كان قد.
[38617]:في ظ: كان قد.
[38618]:زيد من ظ.
[38619]:سقط من ظ.
[38620]:في ظ: تفسير.
[38621]:سقط من ظ.
[38622]:سقط من ظ.
[38623]:زيد من ظ.
[38624]:في ظ: الجزي.
[38625]:في ظ: للفهم.