ومع الإطماع في الفضل والنعمة ، التحذير من اليوم الذي يأتي وصفه :
( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) . .
فالتبعة فردية ، والحساب شخصي ، وكل نفس مسؤولة عن نفسها ، ولا تغني نفس عن نفس شيئا . . وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم . مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان ، وعلى العدل المطلق من الله . وهو أقوم المباديء التي تشعر الإنسان بكرامته ، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره . وكلاهما عامل من عوامل التربية ، فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام .
( ولا يقبل منها شفاعة . ولا يؤخذ منها عدل ) .
فلا شفاعة تنفع يومئذ من لم يقدم إيمانا وعملا صالحا ؛ ولا فدية تؤخذ منه للتجاوز عن كفره ومعصيته .
فما من ناصر يعصمهم من الله ، وينجيهم من عذابه . . وقد عبر هنا بالجمع باعتبار مجموع النفوس التي لا تجزي نفس منها عن نفس ، ولا يقبل منها شفاعة ، ولا يؤخذ منها عدل ، وانصرف عن الخطاب في أول الآية إلى صيغة الغيبة في آخرها للتعميم . فهذا مبدأ كلي ينال المخاطبين وغير المخاطبين من الناس أجمعين .
{ واتقوا }{[2279]} . {[2280]}ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيماً له وتنبيهاً على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل فقال : { يوماً } هو من العظمة بحيث { لا تجزي } {[2281]}أي {[2282]}تقضي وتغني{[2283]} فيه { نفس } {[2284]}أي نفس كانت{[2285]} { عن نفس } كذلك{[2286]} { شيئاً } من الجزاء .
قال الحرالي : والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره ، فهؤلاء الذين لا يغني بعضهم عن بعض بخلاف{[2287]} من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه ، فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة ، وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان
{ أذلة على المؤمنين{[2288]} }[ المائدة : 54 ] فذل العبد - بالضم - لله ، وذِله - بالكسر - لعباد الله بشرى فوزه ، وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس{[2289]} نذارة{[2290]} هلاكه - انتهى .
{[2291]}ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجوداً وهو بحيث يخشى أن يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من أسره على إطلاقه ، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو فتح سجنه أو نحو ذلك ، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة{[2292]} عطفها على الإجزاء الأعم منها فقال : { ولا يقبل منها } {[2293]}أي النفس الأولى أو{[2294]} الثانية{[2295]} { شفاعة } أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في {[2296]}وجهة حاجته{[2297]} - قاله الحرالي { ولا يؤخذ منها عدل } تبذله غير الأعمال الصالحة ، وهو ما يعدل الشيء ويكون معه كالعدلين المتكافئ القدر على الحمولة ، فكأنّ العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس ، والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول ، وكذلك عادة العرب تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - قاله الحرالي .
{[2298]}ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى جمع فقال : { ولا هم ينصرون*{[2299]} } أي يتجدد لهم نصر يوماً ما بمن ينقذهم قهراً{[2300]} كائناً من كان{[2301]} ، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما طرفان{[2302]} ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور{[2303]} فيه - قاله الحرالي . فانتفى{[2304]} بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا .
قال الحرالي : ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث{[2305]} : إما شفاعة من فوقه{[2306]} في العلم{[2307]} و{[2308]}الفضل ، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة ، وإما فكاك من يده لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه ، استوفى الخطاب جميع الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى .
ولما تقدم أنه فضلهم وعاهدهم و{[2309]}أن وفاءه {[2310]}بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب تقديم الشفاعة{[2311]} ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية الثانية ما يتم به البيان ،