غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} (48)

37

واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال ، لأن نفس اليوم لا يتقى . وقوله { لا تجزي } إلى آخر الآية . الجمل منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم ، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره : لا تجزي فيه . ومنهم من يقول : اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار وهو " في " فبقي لا تجزيه ، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله " أم مال أصابوا " قال :

فما أدري أغيرهم تناء *** وطول العهد أم مال أصابوا

أي أصابوه . ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل ، بل يتعين تقدير الجار والمجرور العائد . ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق ، ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت " تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك " و{ شيئاً } مفعول به ، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء مثل " ولا تظلمون شيئاً " . ومعنى تنكير النفس أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع . وكذلك قوله { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية لأنها معمادلة للمفدى . وفي الحديث " ولا يقبل منه صرف ولا عدل " أي توبة ، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء . والضمير في { ولا يقبل منها } يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل . ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها ، كما لا تجزي عنها شيئاً ولو أعطت عدلاً منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون ، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة ، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس . وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد ، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه ، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية ، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه . فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال ، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان ، فأخبر الله تعالى أن شيئاً من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه . وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة ، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية ، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر . فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم . فإن قيل : قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية ، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية ، فما الحكمة في ذلك ؟ قلنا : من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلاً بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال ، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة ، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين والله أعلم .

واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر ، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار بالشفيع شفعاً . ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم رتبة الشفاعة في الآخرة ، وعليه يحمل قوله تعالى : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً } [ الإسراء : 79 ] { ولسوف يعطيك ربك فترضى }

[ الضحى : 5 ] . وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار . بقي الخلاف فيمن عداهم . فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار ، والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالداً في النار ولا شفاعة له وسائر الناس لهم الشفاعة . قالوا : إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة مطلقاً ، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة ، فعرفنا أن الآية ليست على عمومها ، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله تعالى { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها } [ الجن : 23 ] فخرج غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة . وزعم أهل السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ذلك . وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وسوف يجيء سائر حجج الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله تعالى . وقالت الفلاسفة في تحقيق الشفاعة : إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل ، وجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود ، فيكون ذلك الشيء متوسطاً بين الواجب . وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس ، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل ، والسقف لما لم يكن مقابلاً لم يكن مستعداً لقبول النور منها ، لكنه لو وضع طست مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف . فأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين السقف ، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله تعالى وبين عباده أشرف من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث إنه لا شفاعة إلا له .