ولكنه كان قد فات الأوان . كانت اللمسة الإيمانية قد وصلت الذرة الصغيرة بمصدرها الهائل . فإذا هي قوية قويمة . وإذا القوى الأرضية كلها ضئيلة ضئيلة . وإذا الحياة الأرضية كلها زهيدة زهيدة . وكانت قد تفتحت لهذه القلوب آفاق مشرقة وضيئة لا تبالي أن تنظر بعدها إلى الأرض وما بها من عرض زائل . ولا إلى حياة الأرض وما فيها من متاع تافه :
( قالوا : لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ، فاقض ما أنت قاض . إنما تقضي هذه الحياة الدنيا . إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ، والله خير وأبقى ) .
إنها لمسة الإيمان في القلوب التي كانت منذ لحظة تعنو لفرعون وتعد القربى منه مغنما يتسابق إليه المتسابقون . فإذا هي بعد لحظة تواجهه في قوة ، وترخص ملكه وزخرفه وجاهه وسلطانه :
( قالوا : لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا . . )فهي علينا أعز وأغلى وهو جل شأنه أكبر وأعلى . ( فاقض ما أنت قاض )ودونك وما تملكه لنا في الأرض . ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) . فسلطانك مقيد بها ، وما لك من سلطان علينا في غيرها . وما أقصر الحياة الدنيا ، وما أهون الحياة الدنيا . وما تملكه لنا من عذاب أيسر من أن يخشاه قلب يتصل بالله ، ويأمل في الحياة الخالدة أبدا .
ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء ، نبهوهم{[49521]} فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً{[49522]} : { قالوا لن نؤثرك } أي نقدم أثرك{[49523]} بالاتباع لك{[49524]} لنسلم من عذابك الزائل { على ما جاءنا } {[49525]}به موسى عليه السلام{[49526]} { من البينات } التي عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها . ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل{[49527]} الخارق ، ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله ، إشارة إلى عليّ قدره فقالوا : { والذي } أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي { فطرنا } أي ابتدأ خلقنا ، إشارة إلى شمول {[49528]}ربوبيته سبحانه{[49529]} وتعالى لهم وله{[49530]} ولجميع الناس ، وتنبيهاً على {[49531]}عجز فرعون{[49532]} عند من استحقه ، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم .
ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به ، علماً بأن ما فعله فهو بإذن الله ، قالوا : { فاقض ما } أي فاصنع في حكمك الذي { أنت قاض } ثم عللوا ذلك بقولهم : { إنما تقضي } أي تصنع بنا ما تريد إن قدرك الله عليه{[49533]} { هذه الحياة الدنيا* } أي إنما حكمك {[49534]}في مدتها{[49535]} على الجسد خاصة ، فهي ساعة تعقب راحة{[49536]} ، ونحن لانخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد ، فذاك هو الشديد العذاب ، الدائم الجزاء بالثواب{[49537]} أو العقاب ، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلاً إلى أن حكمه لو فرض أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلاً لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق{[49538]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.