في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

93

ولقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى ، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون . وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين . .

إن المنهج الذي جاء مع محمد [ صلى الله عليه وسلم ] منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة .

ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي : جاءت كتابا مفتوحا للعقول في مقبل الأجيال ، شاملا لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل ، مستعدا لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .

ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة . وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة ، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها ، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم .

وكفل للعقل البشري حرية العمل ، بكفالة حقه في التفكير ، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير . ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر ، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض .

ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن ذلك المنهج كان وما يزال سابقا لخطوات البشرية في عمومه ، قابلا لأن تنمو الحياة في ظلاله بكل ارتباطاتها نموا مطردا . وهو يقودها دائما ، ولا يتخلف عنها ، ولا يقعد بها ، ولا يشدها إلى الخلف ، لأنه سابق دائما على خطواتها متسع دائما لكامل خطواتها .

وهو في تلبية لرغبة البشرية في النمو والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي ، ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها .

وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق . لا يعذب الجسد ليسمو بالروح ، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد . ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة . ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة ، أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد .

وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته ، ولمصلحته ؛ وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف ، وتجعلها محببة لديه - مهما لقي من أجلها الآلام أحيانا - لأنها تلبي رغيبة من رغائبه ، أو تصرف طاقة من طاقاته .

ولقد كانت رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية ، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة . ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق هذه المبادئ . فتزول غرابتها في حسها ، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى .

لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية . لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد . . وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك . والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد . . ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرنا تحاول أن تقفو خطى الإسلام ، فتتعثر في الطريق ، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل . ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج - ولو في الدعاوي والأقوال - وإن كانت ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ نيف وثلاث مائة وألف عام .

ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون . في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات ، وتجعل لكل طبقة قانونا . بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع . . فكان غريبا على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء . . ولكن ها هي ذي شيئا فشيئا تحاول أن تصل - ولو نظريا - إلى شيء مما طبقه الإسلام عمليا منذ نيف وثلاث مائة وألف عام .

وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمدا [ ص ] إنما أرسل رحمة للعالمين . ومن آمن به ومن لم يؤمن به على السواء . فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة ، شاعرة أو غير شاعرة ؛ وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة ، لمن يريد أن يستظل بها ، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية ، في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام .

وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها . وهي قلقة حائرة ، شاردة في متاهات المادية ، وجحيم الحروب ، وجفاف الأرواح والقلوب . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

ولما كان هذا مشيراً إلى رشادهم ، فكان التقدير : فما أرسلناك إلا لإسعادهم {[52056]}والكفاية لهم{[52057]} في البلاغ إلى جنات النعيم ، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله{[52058]} غير العابدين من العذاب فقال : { وما أرسلناك } أي {[52059]}بعظمتنا العامة{[52060]} على حالة من الأحوال { إلا } على حال كونك { رحمة للعالمين* } كلهم ، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم ، طائعهم بالثواب{[52061]} ، وعاصيهم بتأخير العقاب ، الذي كنا نستأصل به الأمم{[52062]} ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم ، إظهاراً لشرفك وإعلاء لقدرك ، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك ، ثم نرد كثيراً منهم إلى دينك ، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك ، بعد طول ارتكابهم الضلال ، وارتباكهم في أشراك المحال ، وإيضاعهم في الجدال والمحال ، فيلعم قطعاً أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض ، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون ، وتقوم الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه ، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار ، فيقصدون أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام ، والتحية والإكرام ، فيحيل بعضهم على بعض ، وكل منهم يقول : لست لها ، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها ، ويقوم{[52063]} ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام{[52064]} المحمود الذي يغبطه به{[52065]} الأولون والآخرون وقد سبقت{[52066]} أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند{ ولا شفيع يطاع{[52067]} }[ الآية : 18 ] .


[52056]:العبارة من هنا إلى "النعيم" ساقطة من ظ.
[52057]:زيد من مد.
[52058]:من ظ ومد وفي الأصل يستعمله.
[52059]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[52060]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[52061]:سقط من مد.
[52062]:زيد من مد.
[52063]:زيد من ظ ومد.
[52064]:من ظ ومد، وفي الأصل: اللواء.
[52065]:زيد من ظ ومد.
[52066]:من ظ ومد وفي الأصل: مضت.
[52067]:آية 18.