في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (117)

93

إننا ننظر فإذا نحن أمام حقل قد تهيأ للإخصاب . فهو حرث . ثم إذا العاصفة تهب . إنها عاصفة باردة ثلجية محرقة ! تحرق هذا الحرث بما فيها من صر . واللفظة ذاتها كأنها مقذوف يلقى بعنف ، فيصور معناه بجرسه النفاذ . وإذا الحرث كله مدمر خراب !

إنها لحظة يتم فيها كل شيء . يتم فيها الدمار والهلاك . وإذا الحرث كله يباب ! ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا - ولو كان ينفق فيما ظاهره الخير والبر - ومثل ما بأيديهم من نعم الأولاد والأموال . . كلها إلى هلاك وفناء . . دون ما متاع حقيقي ودون ما جزاء . .

( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) .

فهم الذين تنكبوا المنهج الذي يجمع مفردات الخير والبر ، فيجعلها خطا مستقيما ثابتا وأصلا . له هدف مرسوم ، وله دافع مفهوم ، وله طريق معلوم . . فلا يترك للنزوة العارضة ، والرغبة الغامضة ، والفلتة التي لا ترجع إلى منهج ثابت مستقيم . .

هم الذين اختاروا لأنفسهم الشرود والضلال والانفلات من عصمة الحبل الممدود . فإذا ذهب عملهم كله هباء - حتى ما ينفقونه فيما ظاهره الخير - وإذا أصاب حرثهم كله الدمار ، فلم يغن عنهم مال ولا ولد . . فما في هذا ظلم من الله - تعالى - لهم . إنما هو ظلمهم لأنفسهم ، بما اختاروه لأنفسهم من تنكب وشرود .

وهكذا يتقرر أن لا جزاء على بذل وأن لا قيمة لعمل إلا أن يرتبط بمنهج الإيمان وإلا أن يكون باعثه الإيمان . . يقول الله هذا ويقرره فلا تبقى بعده كلمة لإنسان ؛ ولا يجادل في هذا القرار إلا الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (117)

ولما كان ربما قيل : فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم ؟ ضرب لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً ، ضائعاً وإن كثر بوراً{[18734]} ، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً ، بقوله سبحانه وتعالى جواباً لهذا السؤال : { مثل ما ينفقون } أي من المال ، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال{[18735]} : { في هذه الحياة الدنيا } أي على وجه القربة أو غيرها ، لكونهم {[18736]}ضيعوا الوجه الذي به{[18737]} يقبل{[18738]} ، وهو الإخلاص . و{[18739]}مثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح { كمثل ريح فيها صر } أي برد شديد { أصابت حرث قوم } موصوفين بأنهم { ظلموا أنفسهم } أي بالبناء على غير أساس الإيمان { فأهلكته } فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج{[18740]} ما أرادوا {[18741]}في الدنيا{[18742]} وضرهم في الدارين ، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء ، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به ، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين ، بل ضرهم{[18743]} في الدنيا بضياعه ، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد{[18744]} ، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه ، فلما كانت الريح الموصوفة أمراً مشاهداً{[18745]} جلياً جعلت في إهلاكها مثلاً لضياع انفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي ، ولما كان الزرع المحترق أمراً محسوساً جعل فيما حصل له بعد{[18746]} التعب من{[18747]} العطب مثالاً لأمر{[18748]} معقول ، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئاً غير الخسارة والتعب{[18749]} ، فالمثلان ضياع الزرع والإنفاق ، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع{[18750]} الإنفاق لأنه أخفى ، وقد بان أن الآية من الاحتباك : حذف أولاً مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه ، وثانياً الحرث لدلالة ما ينفق عليه .

ولما كان سبحانه وتعالى موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس{[18751]} : { وما ظلمهم } أي الممثل بهم والممثل لهم { الله } الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى{[18752]} المطلق لأنه المالك المطلق ، وقد كفروا ، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه ، وأما الممثل بهم{[18753]} فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات ، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات ، ثم قال : { ولكن } ولما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم{[18754]} من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه{[18755]} الجبلة من فعل الكون وقال : { أنفسهم } أي خاصة { يظلمون } فأفاد أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بتضييعهم{[18756]} الأساس بكفرهم ، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم ، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر{[18757]} لإنفاقهم نكاية في عدوهم ، فإن العاقبة لما{[18758]} كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم ، بل هي زيادة في وبالهم ، فهي{[18759]} من ظلمهم لأنفسهم .


[18734]:في ظ: بوارا.
[18735]:سقط من ظ.
[18736]:العبارة من هنا إلى "وهو الاخلاص" سا قطة من مد.
[18737]:سقط من ظ.
[18738]:في ظ: تقبله.
[18739]:سقط من ظ.
[18740]:في ظ: باتباع.
[18741]:سقط من ظ.
[18742]:سقط من ظ.
[18743]:في ظ: غيرهم.
[18744]:في الأصول: الفاسدة.
[18745]:في ظ: شاهدا.
[18746]:في ظ: هذا.
[18747]:في ظ: عن.
[18748]:في ظ: لا أمر.
[18749]:في ظ: النعت.
[18750]:في ظ: الضياع.
[18751]:من ظ ومد، وفي الأصل: يحسن ـ كذا.
[18752]:من مد، وفي الأصل: لغنى الغنى، وفي ظ: المغتن.
[18753]:في ظ: لهم.
[18754]:في ظ: عم.
[18755]:في ظ: يقتضيه.
[18756]:في ظ: بتضيعهم.
[18757]:في ظ: أظهر.
[18758]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[18759]:في ظ: وهي.