في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} (35)

24

ذلك حين لا يستعلن النشوز ، وإنما تتقى بوادره . فأما إذا كان قد استعلن ، فلا تتخذ تلك الإجراءات التي سلفت . إذا لا قيمة لها إذن ولا ثمرة . وإنما هي إذن صراع وحرب بين خصمين ليحطم أحدهما رأس الآخير ! وهذا ليس المقصود ، ولا المطلوب . . وكذلك إذا رئي أن استخدام هذه الإجراءات قد لا يجدي ، بل سيزيد الشقة بعدًا ، والنشوز استعلانًا ؛ ويمزق بقية الخيوط التي لا تزال مربوطة . أو إذا أدى استخدام تلك الوسائل بالفعل إلى غير نتيجة . . في هذه الحالات كلها يشير المنهج الإسلامي الحكيم بإجراء أخير ؛ لإنقاذ المؤسسة العظيمة من الانهيار . قبل أن ينفض يديه منها ويدعها تنهار :

( وإن خفتم شقاق بينهما ، فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها . إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما . إن الله كان عليمًا خبيرًا ) . .

وهكذا لا يدعو المنهج الإسلامي إلى الاستسلام لبوادر النشوز والكراهية ؛ ولا إلى المسارعة بفصم عقدة النكاح ، وتحطيم مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار - الذين لا ذنب لهم ولا يد ولا حيلة - فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإسلام ؛ بقدر خطورتها في بناء المجتمع ، وفي إمداده باللبنات الجديدة ، اللازمة لنموه ورقية وامتداده .

إنه يلجأ إلى هذه الوسيلة الأخيرة - عند خوف الشقاق - فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلًا . . ببعث حكم من أهلها ترتضيه ، وحكم من أهله يرتضيه . يجتمعان في هدوء . بعيدين عن الانفعالات النفسية ، والرواسب الشعورية ، والملابسات المعيشية ، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين . طليقين من هذه المؤثرات التي تفسد جو الحياة ، وتعقد الأمور ، وتبدو - لقربها من نفسي الزوجين - كبيرة تغطي على كل العوامل الطيبة الأخرى في حياتهما . حريصين على سمعة الأسرتين الأصليتين . مشفقين على الأطفال الصغار . بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما على الآخر - كما قد يكون الحال مع الزوجين في هذه الظروف - راغبين في خير الزوجين وأطفالهما ومؤسستهما المهددة بالدمار . . وفي الوقت ذاته هما مؤتمنان على أسرار الزوجين ، لأنهما من أهلهما : لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار . إذ لا مصلحة لهما في التشهير بها ، بل مصلحتهما في دفنها ومداراتها !

يجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح . فإن كان في نفسي الزوجين رغبة حقيقية في الإصلاح ، وكان الغضب فقط هو الذي يحجب هذه الرغبة ، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين ، يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق :

إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما . .

فهما يريدان الإصلاح ، والله يستجيب لهما ويوفق . .

وهذه هي الصلة بين قلوب الناس وسعيهم ، ومشيئة الله وقدره . . إن قدر الله هو الذي يحقق ما يقع في حياة الناس . ولكن الناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا ؛ وبقدر الله - بعد ذلك - يكون ما يكون .

ويكون عن علم بالسرائر وعن خبرة بالصوالح :

إن الله كان عليمًا خبيرًا .

وهكذا نرى - في هذا الدرس - مدى الجدية والخطورة في نظرة الإسلام إلى المرأة وعلاقات الجنسين ومؤسسة الأسرة ، وما يتصل بها من الروابط الاجتماعية . . ونرى مدى اهتمام المنهج الإسلامي بتنظيم هذا الجانب الخطير من الحياة الإنسانية . ونطلع على نماذج من الجهد الذي بذله هذا المنهج العظيم ، وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة على هدى الله . الذي لا هدى سواه . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا} (35)

ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج ، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما{[21371]} من الآخر فقال : { وإن خفتم } أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم { شقاق بينهما } أي الزوجين المفهومين من السياق ، يكون كل واحد منهما في شق {[21372]}غير الشق{[21373]} الذي فيه الآخر ، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل ، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص ، وهو أن يكون البين {[21374]}المضاف إليهما - وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر - لا تمكن في العادة{[21375]} إزالته ليكونا{[21376]} شيئاً واحداً كما كانا{[21377]} لا بين لهما ، وذلك بظن{[21378]} أنه لا صلاح في اجتماعهما { فابعثوا } أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم { حكماً من أهله } أي الزوج { وحكماً من أهلها{[21379]} } أي الزوجة ، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما ، لأنهم أجدر{[21380]} بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما ، والزوجان{[21381]} أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما ، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب ؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبة ويستكشف حقيقة الحال ليعرف{[21382]} وجه الصلاح .

ثم أجاب من كأنه قال : وماذا عسى أن يضيفا ؟ بقوله : { إن{[21383]} يريدا } أي الحكمان { إصلاحاً } أي بينهما ، وكأنه نكره لأن الإخلاص و{[21384]}وجود الكمال قليل { يوفق الله } الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة { بينهما } أي الزوجين لأن{[21385]} صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد ، وهذا دالعلى أنه لا يكون شيء إلا بالله ، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله ، يسعد بها{[21386]} من يباشرها ويعتمد على الله دونها ، ويشقى{[21387]} بها من يجعلها محط قصده{[21388]} ، فيعتمد عليها .

ولما كان المصلح قد يظن مفسداً لصدعه{[21389]} بمر الحق من غير مداراة{[21390]} ، والمفسد قد يعد مصلحاً لما{[21391]} يرى منه من المداهنة والمراءاة{[21392]} والمكر ، فيظن من يخلق الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر ؛ قال تعالى مزيلاً لهذا الوهم مرغباً ومرهباً : { إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { كان عليماً } أي مطلقاً على ما يمكن الاطلاع عليه وإن غاب عن غيره { خبيراً * } أي لا يخفى عليه من ذلك خفي ، ولا يغيب عنه خبيء ، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب أحوال النكاح ، ولم يذكر سبحانه وتعالى الطلاق عندما{[21393]} ذكر الشقاق لتقدمه في البقرة ، ولأن مبنى هذه السورة على التواصل{[21394]} والتوادّ دون التفاصل والترادّ كما قال ابن الزبير ، ولهذا - أي لبناء السورة على التواصل{[21395]} والائتلاف دون{[21396]} التفاصل والاختلاف - خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدالة{[21397]} إبقاء لذلك التواصل ، فلم يكن الطلاق ليناسب هذا ، فلم يقع له هنا{[21398]} ذكر ولا إيماء إلا قوله :

{ وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته }[ النساء : 130 ] - انتهى .


[21371]:من ظ ومد، وفي الأصل: أحدهم.
[21372]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21373]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21374]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21375]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21376]:من ظ ومد، وفي الأصل: ليكون.
[21377]:من مد، وفي الأصل وظ: كان.
[21378]:من مد، وفي الأصل وظ: يظن.
[21379]:في ظ: أهلها.
[21380]:في ظ: احذر.
[21381]:في ظ: الزوجات.
[21382]:في ظ ومد: لتعرف.
[21383]:سقط من ظ.
[21384]:من ظ ومد، وفي الأصل: من.
[21385]:في ظ: لا.
[21386]:زيد بعده في الأصل: منه، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[21387]:في ظ: يسقى.
[21388]:في ظ: فاصده ـ كذا.
[21389]:زيد من ظ ومد.
[21390]:في ظ: مدارة.
[21391]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[21392]:في الأصول: المراياه ـ كذا.
[21393]:من مد، وفي الأصل وظ: نا ـ كذا.
[21394]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[21395]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[21396]:سقط من ظ.
[21397]:في ظ ومد: المعدلة.
[21398]:من مد، وفي الأصل وظ: هناك.