في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (51)

35

ورجع الرسول فأخبر الملك وأحضر الملك النسوة يستجوبهن - والسياق يحذف هذا لنعلمه مما يليه - :

( قال : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ؟ ) . .

والخطب : الأمر الجلل والمصاب . فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن ، وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال ، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه . فهو يواجههن مقررا الاتهام ، ومشيرا إلى أمر لهن جلل أو شأن لهن خطير :

( ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ؟ ) .

ومن هذا نعلم شيئا مما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير ؛ ما قالته النسوة ليوسف وما لمحن به وأشرن إليه ، من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة . ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ . فالجاهلية دائما هي الجاهلية . إنه حيثما كان الترف ، وكانت القصور والحاشية ، كان التخلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدي ثياب الأرستقراطية !

وفي مثل هذه المواجهة بالاتهام في حضرة الملك ، يبدو أنه لم يكن هنالك مجال للإنكار :

( قلن : حاش لله ! ما علمنا عليه من سوء ) !

وهي الحقيقة التي يصعب إنكارها . ولو من مثل هؤلاء النسوة . فقد كان أمر يوسف إذن من النصاعة والوضوح بحيث لا يقوم فيه جدال .

وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف ، التي يئست منه ، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به . . تتقدم لتقول كل شيء في صراحة :

( قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق . أنا راودته عن نفسه . وإنه لمن الصادقين ) . .

الآن حصحص الحق وظهر ظهورا واضحا لا يحتمل الخفاء :

( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) . .

وزادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره والتفاته بعد كل هذا الأمد ؛ وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلى قلبها فآمن :

( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) . .

وهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية ، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر . كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير :

( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) . .

شهادة كاملة بنظافته وبراءته وصدقه . لا تبالي المرأة ما وراءها مما يلم بها هي ويلحق بأردانها . . فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ ؟

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (51)

شرح الكلمات :

{ ما خطبكن } : ما شأنكن .

{ حاش لله } : أي تنزيهاً لله تعالى عن العجز أن يخلق بشراً عفيفا .

{ حصص الحق } : وضح وظهر الحق .

المعنى :

فجمع الملك النسوة وسألهن قائلا ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ؟ فأجبن قائلات حاش لله ما علمنا عليه من سوء أي نُنَزِهُ الله تعالى أن يعجز أن يخلق بشرا عفيفا مثل هذا . ما علمنا عليه من سوء . وهنا قالت امرأة العزيز زليخا ما أخر تعالى به عنها { الآن حصص الحق } أي وضح وبان وظهر .

{ أنا راودته عن نفسه } وليس هو الذي راودني ، { وإنه لمن الصادقين } .

الهداية :

من الهداية :

- فضيلة الصدق وقول الحق ولو كان على النفس .

- شرف زليخا بإِقرارها بذنبها رفعها مقاما ساميا وأنزلها درجة عالية فقد تصبح بعد قليل زوجة لصفي الله يوسف الصديق بن الصديق زوجة له في الدنيا وزوجة له في الآخرة وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (51)

ولما قال يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين{[41774]} الأمر ، رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : فما فعل الملك ؟ فقيل : { قال } للنسوة بعد أن جمعهن : { ما خطبكن } أي شأنكن العظيم ؛ وقوله : { إذ راودتن } أي خادعتن بمكر ودوران ومراوغة{[41775]} { يوسف عن نفسه } دليل على أن براءته كانت متحققة{[41776]} عند كل من علم القصة{[41777]} ، فكأن{[41778]} الملك وبعض الناس - وإن علموا مراودتهن وعفته - ما كانوا يعرفون المراودة هل هي{[41779]} لهن كلهن أو لبعضهن ، فكأنه قيل : ما قلن ؟ فقيل : مكرن{[41780]} في جوابهن إذ{[41781]} سألهن عما{[41782]} عملن من السوء{[41783]} معه فأعرضن{[41784]} عنه وأجبن بنفي السوء عنه عليه الصلاة والسلام ، وذلك أنهن { قلن حاش لله } أي عياذاً بالملك الأعظم وتنزيهاً له من هذا الأمر ، فأوهمن بذلك براءتهن منه ؛ ثم فسرن هذا العياذ بأن قلن تعجباً{[41785]} من عفته التي لم يرين مثلها ، ولا وقع في أوهامهن أن تكون لآدمي{[41786]} وإن بلغ ما بلغ : { ما علمنا عليه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام ، {[41787]} وأعرقن في النفي فقلن{[41788]} : { من سوء } فخصصنه{[41789]} بالبراءة ، وهذا كما تقدم عند قول الملأ { أضغاث أحلام } هذا وهو جواب للملك الذي تبهر رؤيته وتخشى{[41790]} سطوته ، فكان من طبع البلد{[41791]} عدم الإفصاح في المقال{[41792]} - حتى لا ينفك عن طروق احتمال فيكون للتفصي فيه مجال - وعبادة{[41793]} الملوك إلا من شاء الله منهم .

ولما تم{[41794]} ذلك ، كان كأنه قيل :{[41795]} فما قالت{[41796]} التي هي أصل هذا الأمر ؟ فقيل : { قالت امرأت العزيز } مصرحة بحقيقة الحال : { الآن حصحص الحق } أي حصل على أمكن وجوهه ، وانقطع عن الباطل بظهوره ، من : حص شعره . إذا استأصل قطعه{[41797]} بحيث ظهر ما تحته{[41798]} ، ومنه الحصة : القطعة من الشيء ، ونظيره : كب وكبكب ، وكف وكفكف ، فهذه زيادة تضعيف ، دل عليه{[41799]} الاشتقاق وهو قول الزجاج - قاله الرماني . ووافقه الرازي في اللوامع وقال : وقال الأزهري : هو من حصحص البعير : أثرت ثفناته{[41800]} في الأرض إذا برك حتى تستبين آثارها فيه { أنا راودته } أي خادعته وراودته { عن نفسه } وأكدت ما أفصحت به مدحاً ونفياً لكل{[41801]} سوء بقولها مؤكداً{[41802]} لأجل ما تقدم من إنكارها : { وإنه لمن الصادقين * } أي العريقين{[41803]} في هذا الوصف في نسبة المراودة إليّ وتبرئة نفسه ، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته ، وإنه لم يقع منه ما ينسب به شيء من السوء{[41804]} إليه ، فمن نسب إليه بعد ذلك هماً أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في نبي من المخلصين .


[41774]:من م ومد، وفي الأصل: تبيين، وفي ظ: أن يبين.
[41775]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: مراوعه- كذا.
[41776]:في ظ: محققة.
[41777]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: البتة.
[41778]:في م: وكان.
[41779]:زيد من ظ و م ومد.
[41780]:في ظ: تكون.
[41781]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: إذا.
[41782]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بما.
[41783]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: السود.
[41784]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فاعرض.
[41785]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تعجيبا.
[41786]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الأذى- كذا.
[41787]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41788]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41789]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: فخصصه.
[41790]:في مد: تخشى.
[41791]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: البلاء- كذا.
[41792]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: المقام.
[41793]:في م ومد: عيارة.
[41794]:في ظ: هذا.
[41795]:من م، وفي الأصل: ما قالت، وسقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[41796]:من م، وفي الأصل: ما قالت، وسقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[41797]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41798]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41799]:في ظ: عليها.
[41800]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ثفتاته، وراجع أيضا التاج.
[41801]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بكل.
[41802]:في ظ: مؤكد.
[41803]:من م ومد، وفي الأصل: المعرقين، وفي ظ: الغريقين.
[41804]:في ظ: السهو.