ولقد كان لهم عنها مصرف ، لو أنهم صرفوا قلوبهم من قبل للقرآن ، ولم يجادلوا في الحق الذي جاء به ، وقد ضرب الله لهم فيه الأمثال ونوعها لتشمل جميع الأحوال :
( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) . .
ويعبر السياق عن الإنسان في هذا المقام بأنه ( شيء ) وأنه أكثر شيء جدلا . ذلك كي يطامن الإنسان من كبريائه ، ويقلل من غروره ، ويشعر أنه خلق من مخلوقات الله الكثيرة . وأنه أكثر هذه الخلائق جدلا . بعد ما صرف الله في هذا القرآن من كل مثل .
{ صرفنا } : أي بينّا وكررنا البيان .
{ من كل مثل } : المثل الصفة المستغربة العجيبة .
{ جدلاً } : أي مخاصمة بالقول .
ما زال السياق الكريم في بيان حجج الله تعالى على عباده ليؤمنوا به ويعبدوه وحده فينجوا من عذابه ويدخلوا دار كرامته فقال تعالى : { ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل } أي ضربنا فيه الأمثال الكثيرة وبينا فيه الحجج العديدة ، { وصرفنا فيه } من الوعد والوعيد ترغيباً وترهيباً ، وقابلوا كل ذلك بالجحود والمكابرة ، { وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً } فأكثر هم الإنسان يصرفه في الجدل والخصومات حتى لا يذعن للحق ويسلم به ويؤديه أن كان عليه . هذا ما دلت عليته الآية الأولى : ( 54 ) .
- لقد أعذر الله تعالى إلى الناس بما يبين في كتابه من الحجج وما ضرب فيه من الأمثال .
ولما كان الكلام في قوة أن يقال : صرفنا هذه الأخبار بما{[46667]} أشارت إليه من الأسرار الكبار ، فقامت دلائل الشريعة الجلائل ، وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر ، عطف على ذلك : { ولقد صرفنا } {[46668]}أي بما لنا من العظمة{[46669]} . ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب ، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى : { في هذا القرءان } أي القيم الذي لا عوج فيه ، {[46670]}مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات{[46671]} { للناس } {[46672]}أي المزلزلين فضلاً عن الثابتين{[46673]} { من كل مثل } أي حوّلنا الكلام وطرقناه في كل وجه{[46674]} من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة ، والأساليب المتناسقة ، ما سار بها في غرابته كالمثل ، يقبله كل من يسمعه ، وتضرب به آباط{[46675]} الإبل في سائر البلاد ، بين العباد ، فتبشر به قلوبهم ، وتلهج{[46676]} به ألسنتهم ، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه ؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله تعالى : { وكان الإنسان } {[46677]}الذي جعل خصيماً وهو آنس بنفسه جبلة وطبعاً{[46678]} { أكثر شيء } {[46679]}وميز الأكثرية بقوله تعالى : { جدلاً * } {[46680]}لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان ، الذي أضاء جميع الأكوان{[46681]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.