وكان أهل الكتاب يقول بعضهم لبعض : تظاهروا بالإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل المسلمين يرجعون عن دينهم . وليكن هذا سرا بينكم لا تبدونه ولا تأتمنون عليه إلا أهل دينكم :
( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) . .
وفعل الإيمان حين يعدى باللام يعني الاطمئنان والثقة . أي ولا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تفضوا بأسراركم إلا لهؤلاء دون المسلمين !
وعملاء الصهيونية والصليبية اليوم كذلك . . إنهم متفاهمون فيما بينهم على أمر . . هو الإجهاز على هذه العقيدة في الفرصة السانحة التي قد لا تعود . . وقد لا يكون هذا التفاهم في معاهدة أو مؤامرة . ولكنه تفاهم العميل مع العميل على المهمة المطلوبة للأصيل ! ويأمن بعضهم لبعض فيفضي بعضهم إلى بعض . . ثم يتظاهرون - بعضهم على الأقل - بغير ما يريدون وما يبيتون . . والجو من حولهم مهيأ ، والأجهزة من حولهم معبأة . . والذين يدركون حقيقة هذا الدين في الأرض كلها مغيبون أو مشردون !
( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) . .
وهنا يوجه الله نبيه [ ص ] أن يعلن أن الهدى هو وحده هدى الله ؛ وأن من لا يفيء إليه لن يجد الهدى أبدا في أي منهج ولا في أي طريق :
( قل : إن الهدى هدى الله ) . .
ويجيء هذا التقرير ردا على مقالتهم : ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون )تحذيرا للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم . فهو الخروج من هدى الله كله . فلا هدى إلا هداه وحده . وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون .
يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها . . ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض :
( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أو يحاجوكم عند ربكم ) . .
بهذا يعللون قولهم : ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) . . فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي الله أحدا من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب . وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين وإطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب ، ثم ينكرونها ، عن هذا الدين ، ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند الله ! - كأن الله سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع ! - وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني بالله وصفاته ؛ ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات ، وتكاليف الإيمان والاعتقاد !
ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم - ويعلم الجماعة المسلمة - حقيقة فضل الله حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول :
( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله واسع عليم . يختص برحمته من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ) . .
وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب ؛ بعد ما خاسوا بعهدهم مع الله ؛ ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم ؛ وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل ؛ وتخلوا عن الأمانة التي ناطها الله بهم ؛ وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم ؛ وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب الله بينهم . وخلت قيادة البشرية من منهج الله وكتابه ورجاله المؤمنين . . عندئذ سلم القيادة ، وناط الأمانة ، بالأمة المسلمة . فضلا منه ومنة . ( والله واسع عليم ) . .
{ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } : أي لا تصدقوا إلا من كان على ملتكم .
{ الهدى هدى الله } : البيان الحق والتوفيق الكامل بيان الله وهداه لا ما يخلط اليهود ويلبسون تضليلاً للناس .
{ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } : أن يعطى أحد نبوة ودينا وفضلا .
{ أو يحاجوكم عند ربكم } : يخاصموكم يوم القيامة عند ربكم .
{ قل إن الفضل بيد الله } : قل إن التوفيق للإِيمان والهداية للإِسلام بيد الله لا بيد غيره .
{ والله واسع عليم } : ذو سعة بفضله ، عليم بمن يستحق فضله فيمُن عليه .
وقوله تعالى عنهم { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } يريد أنهم قالوا لبعضهم بعضاً لا تصدقوا أحداً إلا من تبع دينكم من أهل ملتكم وهذا صرف من رؤسائهم لليهود عن الإِسلام وقبوله ، أي لا تصدقوا المسلمين فيما يقولون لكم ، وهنا رد تعالى عليهم بقوله قل يا رسولنا إن الهدى هدى الله ، لا ما يحتكره اليهود من الضلال ويزعمون أنه الحق والهدى وهو البدعة اليهودية وقوله تعالى : { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أو يحاجوكم عند ربكم } . هو قول اليهود معطوف على قولهم : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أما قوله تعالى { قل إن الهدى . . . } فهو كلام معترض بين كلام اليهود الذي قُدِّم تعجيلا للرد عليهم ، ومعنى قولهم{ أن يؤتى أحد . . } الخ ، أي كراهة أن يعترف من قبلكم بأن محمداً نبيّ حق وأن دينه حق فيتابعه اليهود والمشركون عليه فيسلمون ، أو على الأقل يثبت المسلمون عليه ، ونحن نريد زلزلتهم وتشكيكهم حتى يعودوا الى دين آبائهم ، أو يحاجوكم عند ربكم يوم القيامة وتكون لهم الحجة عليكم إن أنتم اعترفتم لهم اليوم بأن نبيهم حق ودينهم حق ، فلذا واصلوا الإِصرار أنه لا دين حق إلا اليهودية وأن ما عداها باطل .
ولما كان هذا{[17945]} عين الضلال أمره{[17946]} سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبهاً على ضلالهم بقوله معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب : { قل إن الهدى هدى الله } أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال ، أي{[17947]} لا تقدرون{[17948]} على إضلال أحد منا عنه ، ولا نقدر{[17949]} على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه ، ثم{[17950]} وصل به تقريعهم فقال{[17951]} : { أن } بإثبات همزة{[17952]} الإنكار في قراءة ابن كثير ، وتقديرها في قراءة غيره ، أي أفعلتم{[17953]} الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن{[17954]} { يؤتى أحد } أي من طوائف الناس { مثل ما أوتيتم } أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول الأمر { أو } كراهة أن
{ يحاجوكم } أي{[17955]} يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم { عند ربكم }{[17956]} الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم{[17957]} .
ولما كانت هذه الآية شبيهة{[17958]} بآية البقرة { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا{[17959]} المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم{[17960]} }[ البقرة : 105 ] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة{[17961]} لها ببيان{[17962]} ما يلبسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك ، لكن لما قصد بها الرد عليهم في كلا هذين{[17963]} الأمرين اللذين{[17964]} دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما له{[17965]} مدخل في ذلك فقال تعالى مجيباً لمن تشوف إلى تعليم ما{[17966]} لعله يكف من مكرهم ويؤمن من{[17967]} شرهم معرضاً عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به{[17968]} إيذاناً بشديد الغضب : { قل إن الفضل } {[17969]}في التشريف{[17970]} بإنزال الآيات وغيرها { بيد الله } المختص{[17971]} بأنه لا كفوء له ، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه ، وأتبعه نتيجته فقال : { يؤتيه من يشاء } فله مع كمال{[17972]} القدرة كمال الاجتباء ، ثم قال مرغباً مرهباً{[17973]} وراداً عليهم{[17974]} في الأمر الثاني : { والله } الذي له من العظمة و{[17975]}سائر صفات{[17976]} الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام{[17977]} { واسع عليم * } أي يوسع على من{[17978]} علم فيه خيراً ، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير ، ويعلم دقيق أمركم{[17979]} وجليله ، فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده .