وقد حدث أنه لما نزلت هذه الآيات ، وذكر فيها تحريم الخمر ، ووصفت بأنها رجس من عمل الشيطان أن انطلقت في المجتمع المسلم صيحتان متحدتان في الصيغة ، مختلفتان في الباعث والهدف .
قال بعض المتحرجين من الصحابة : كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر . . أو قالوا : فما بال قوم قتلوا في أحد وهي في بطونهم [ أي قبل تحريمها ] .
وقال بعض المشككين الذين يهدفون إلى البلبلة والحيرة . . هذا القول أو ما يشبهه ؛ يريدون أن ينشروا في النفوس قلة الثقة في أسباب التشريع ، أو الشعور بضياع إيمان من ماتوا والخمر لم تحرم ؛ وهي رجس من عمل الشيطان ، ماتوا والرجس في بطونهم !
( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات . ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ، والله يحب المحسنين ) . .
نزلت لتقرر أولا أن ما لم يحرم لا يحرم ؛ وأن التحريم يبدأ من النص لا قبله ؛ وأنه لا يحرم بأثر رجعي ؛ فلا عقوبة إلا بنص ؛ سواء في الدنيا أو في الآخرة ؛ لأن النص هو الذي ينشى ء الحكم . . والذين ماتوا والخمر في بطونهم ، وهي لم تحرم بعد ، ليس عليهم جناح ؛ فإنهم لم يتناولوا محرما ؛ ولم يرتكبوا معصية . . لقدكانوا يخافون الله ويعملون الصالحات ويراقبون الله ويعلمون أنه مطلع على نواياهم وأعمالهم . . ومن كانت هذه حاله لا يتناول محرما ولا يرتكب معصية .
ولا نريد أن ندخل بهذه المناسبة في الجدل الذي أثاره المعتزلة حول الحكم بأن الخمر رجس : هل هو ناشى ء عن أمر الشارع - سبحانه - بتحريمها ، أم إنه ناشى ء عن صفة ملازمة للخمر في ذاتها . وهل المحرمات محرمات لصفة ملازمة لها ، أم إن هذه الصفة تلزمها من التحريم . . فهو جدل عقيم في نظرنا وغريب على الحس الإسلامي ! . . والله حين يحرم شيئا يعلم - سبحانه - لم حرمه . سواء ذكر سبب التحريم أو لم يذكر . وسواء كان التحريم لصفة ثابتة في المحرم ، أو لعلة تتعلق بمن يتناوله من ناحية ذاته ، أو من ناحية مصلحة الجماعة . . فالله سبحانه هو الذي يعلم الأمر كله ؛ والطاعة لأمره واجبة ، والجدل بعد ذلك لا يمثل حاجة واقعية . والواقعية هي طابع هذا المنهج الرباني . . ولا يقولن أحد : إذا كان التحريم لصفة ثابتة في المحرم فكيف أبيح إذن قبل تحريمه ! ! فلا بد أن لله - سبحانه - حكمة في تركه فترة بلا تحريم . ومرد الأمر كله إلى الله . وهذا مقتضى ألوهيته - سبحانه - واستحسان الإنسان أو استقباحه ليس هو الحكم في الأمر ؛ وما يراه علة قد لا يكون هو العلة . والأدب مع الله يقتضي تلقي أحكامه بالقبول والتنفيذ ، سواء عرفت حكمتها أو علتها أم ظلت خافية . . والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
إن العمل بشريعة الله يجب أن يقوم ابتداء على العبودية . . على الطاعة لله إظهارا للعبودية له سبحانه . . فهذا هو الإسلام - بمعنى الاستسلام . . وبعد الطاعة يجوز للعقل البشري أن يتلمس حكمة الله - بقدر ما يستطيع - فيما أمر الله به أو نهى عنه - سواء بين الله حكمته أم لم يبينها ، وسواء أدركها العقل البشري أم لم يدركها - فالحكم في استحسان شريعة الله في أمر من الأمور ليس هو الإنسان ! إنما الحكم هو الله . فإذا أمر الله أو نهى فقد انتهى الجدل ولزم الأمر أو النهي . . فأما إذا ترك الحكم للعقل البشري فمعنى ذلك أن الناس هم المرجع الأخير في شرع الله . . فأين مكان الألوهية إذن وأين مكان العبودية ؟
ونخلص من هذا إلى تركيب الآية ودلالة هذا التركيب :
( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ، إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات . ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) . .
ولم أجد في أقوال المفسرين ما تستريح إلية النفس في صياغة العبارة القرآنية على النحو وتكرار التقوى مرة مع الإيمان والعمل الصالح ، ومرة مع الإيمان ، ومرة مع الإحسان . . كذلك لم أجد في تفسيري لهذا التكرار في الطبعة الأولى من هذه الظلال ما يستريح إليه نفسي الأن . . وأحسن ما قرأت - وإن كان لا يبلغ من حسي مبلغ الارتياح - هو قاله ابن جرير الطبري : " الاتقاء الاول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل . والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل " . .
وكان الذي ذكرته في الطبعة الأولى في هذا الموضع هو : " إنه توكيد عن طريق التفصيل بعد الإجمال . فقد أجمل التقوى والإيمان والعمل الصالح في الأولى . ثم جعل التقوى مرة مع الإيمان في الثانية ، ومرة مع الإحسان - وهو العمل الصالح - في الثالثة . . ذلك التوكيد مقصود هنا للاتكاء على هذا المعنى . ولابراز ذلك القانون الثابت في تقدير الأعمال بما يصاحبها من شعور باطني . فالتقوى . . تلك الحساسية المرهفة برقابة الله ، والاتصال به في كل لحظة . والإيمان بالله والتصديق بأوامره ونواهيه ، والعمل الصالح الذي هو الترجمة الظاهرة للعقيدة المستكنة . والترابط بين العقيدة الباطنة والعمل المعبر عنها . . هذه هي مناط الحكم ، لا الظواهر والأشكال . . وهذه القاعدة تحتاج إلى التوكيد والتكرار والبيان " .
وأنا ، اللحظة لا أجد في هذا القول ما يريح أيضا . . ولكنه لم يفتح علي بشيء آخر . . والله المستعان .
{ جناح فيما طعموا } : أي إثم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريم ذلك .
وقوله تعالى في الآية الأخيرة ( 93 ) { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } فقد نزلت لقول بعض الأصحاب لرسول الله صلى عليه وسلم ( يا رسول الله ما بال الذين ماتوا من إخواننا وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر ؟ ) أي كيف حالهم فهل يؤاخذون أو يعفى عنهم من إخواننا وهم هذه الآية فأعلم أنهم ليس عليهم جناح أي إثم أو مؤاخذة فيما شربوا وأكلوا قبل نزول التحريم بشرط أن يكونوا قد اتقوا الله في محارمه وآمنوا به وبشرائعه ، وعملوا الصالحات استجابة لأمره وتقرباً إليه .
فكان رفع الحرج عليهم مقيداً بما ذكر . وقوله : { ثم اتقوا . . . } كما لا جناح على الأحياء فيما طعموا وشربوا قبل التحريم وبشرط الإِيمان ، والعمل الصالح والتقوى لسائر المحارم ، ودوام الإِيمان والتقوى والإِحسان في ذلك بالإِخلاص فيه لله تعالى .
- وجوب التقوى حتى الموت ووجوب الإِحسان في المعتقد والقول والعمل .
ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك{[27604]} للسؤال عنه ، وهو من مات منهم وهو يفعلهما ، قال جواباً لذلك السؤال : { ليس على الذين آمنوا وعملوا } أي تصديقاً لإيمانهم { الصالحات جناح } فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما ، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين{[27605]} لما يسخط الرب من المحرمات ، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم{[27606]} رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم{[27607]} عن ذلك{[27608]} ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم{[27609]} { يسئلونك عن الخمر والميسر } [ البقرة : 219 ] ، فقال الناس : لم يحرم{[27610]} علينا ، إنما قال :{[27611]} إن فيهما إثماً{[27612]} ، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا{[27613]} كان يوم{[27614]} من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته ، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر{[27615]} والأنصاب والأزلام{[27616]} } [ المائدة : 90 ] ، فقالوا : انتهينا يا رب ! وقال الناس : يا رسول الله ! ناس قتلوا في سبيل الله أو{[27617]} ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان ! فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } [ المائدة : 93 ] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم{[27618]} " ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين ، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : " كنت ساقي{[27619]} القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ :{[27620]} البسر والتمر ، وإذا منادٍ ينادي : ألا ! إن الخمر قد حرمت{[27621]} ، فقال لي{[27622]} أبو طلحة رضي الله عنه : اخرج فاهرقها ، فهرقتها{[27623]} ، فقال بعض القوم : قد قتل{[27624]} فلان وفلان{[27625]} وهي في بطونهم ؟ فأنزل الله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة ، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب ، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب{[27626]} عدا ما حرمه . فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال : { فيما طعموا } أي مأكلاً كان أو مشرباً ، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال : { إذا ما اتقوا } أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً .
ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات ، ذكر أساسها الذي لا تقبل{[27627]} إلا به فقال : { وآمنوا } ولما ذكر الإقرار باللسان{[27628]} ، ذكر مصداقه فقال : { وعملوا } أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم{[27629]} لا اتفاقاً{[27630]} { الصالحات ثم اتقوا } أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه { وآمنوا } أي بأنه من عند الله ، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه .
ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً{[27631]} ، شرط الإحسان فقال : { ثم اتقوا وأحسنوا } أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم{[27632]} إلى مقام المراقبة ، وهي الغنى عن رؤية غير الله ، فأفهم ذلك أن{[27633]} من لم يبلغ{[27634]} رتبة{[27635]} الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان ، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان ، ومما يدل{[27636]} على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما{[27637]} شرطها في هذا العموم ، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا{[27638]} به - والله{[27639]} الموفق ؛ ولما كان التقدير : فإن الله يحب المتقين المؤمنين ، عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له صفات الكمال { يحب المحسنين } .