في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

65

هذا النموذج من بني إسرائيل - فيما يبدو من مجموع هذه الآيات - كانوا يتلمسون في كتاب الله الجمل ذات التعبير المجازي ؛ فيلوون السنتهم بها - أي في تأويلها واستخراج مدلولات منها هي لا تدل عليها بغير ليها وتحريفها - ليوهموا الدهماء أن هذه المدلولات المبتدعة هي من كتاب الله ؛ ويقولون بالفعل : هذا ما قاله الله ، وهو ما لم يقله - سبحانه - وكانوا يهدفون من هذا إلى إثبات الوهية عيسى عليه السلام ومع " روح القدس " . . وذلك فيما كانوا يزعمون من الأقانيم : الأب والابن والروح القدس . باعتبارها كائنا واحدا هو الله - تعالى الله عما يصفون - ويروون عن عيسى - عليه السلام - كلمات تؤيد هذا الذي يدعونه ، فرد الله عليهم هذا التحريف وهذا التأويل ، بأنه ليس من شأن نبي يخصه الله بالنبوة ويصطفيه لهذا الأمر العظيم أن يأمر الناس أن يتخذوه إلها هو والملائكة . فهذا مستحيل :

( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول للناس : كونوا عبادا لي من دون الله . ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون . ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟ )

إن النبي يوقن أنه عبد ، وأن الله وحده هو الرب ، الذي يتجه إليه العباد بعبوديتهم وبعبادتهم . فما يمكن أن يدعي لنفسه صفة الألوهية التي تقتضي من الناس العبودية . فلن يقول نبي للناس : ( كونوا عبادا لي من دون الله ) . . ولكن قوله لهم : ( كونوا ربانيين ) . . منتسبين إلى الرب ، عبادا له وعبيدا ، توجهوا إليه وحده بالعبادة ، وخذوا عنه وحده منهج حياتكم ، حتى تخلصوا له وحده فتكونوا( ربانيين ) . . كونوا( ربانيين )بحكم علمكم للكتاب وتدارسكم له . فهذا مقتضى العلم بالكتاب ودراسته .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

البشر : الإنسان ، تطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع .

الحكم : الحكمة .

الربانيون : مفرده رباني ، وهو المنسوب إلى الرب لأنه عالم به مواظب على طاعته .

لا ينبغي لأحد من البشر يُنزل الله عليه الكتاب ، ويعلمه الحكمة ، ويعطيه النبوة ، أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله ، بل عليه أن يأمر الناس أن يكونوا خالصين لخالقهم بمقتضى ما علّمهم من الكتاب .

روى الطبري عن ابن عباس : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت أحبار اليهود ونصارى نجران عند رسول الله ، ودعاهم إلى الإسلام ، قالوا أتريدنا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى ابن مريم ؟ فقال نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد ، وإليه تدعونا ؟ فقال الرسول الكريم : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني " . فأنزل الله عز وجل قوله : { ما كان لبشر . . . . . . . . الآية }

وهذا منتهى الصراحة ، فإن النبي يوقن أنه عبد ، وأن الله هو الرب الذي يتجه إليه العباد بعبادتهم .

قراءات :

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " بما كنتم تعلمون الكتاب " والباقون " يعلمون " كما هو هنا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

قوله تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيئين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أنه حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعاهم إلى الإسلام ، قال أبو رافع القرظي : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله ، ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني " {[502]} فأنزل الله في ذلك من قولهما : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ) أي ما كان ينبغي ولا يستقيم لأحد من البشر أن يدعو الناس لعبادته قائلا لهم : كونوا عبادا لي من دون الله مع أنه قد آتاه الله الكتاب وهو القرآن ، وآتاه الحكم وهو العلم والفهم وشفافية البصيرة ، وكذلك آتاه النبوة مبلغا بها من الوحي أمين السماء والأرض ، فأنى لبشر كريم مفضال كهذا ، أوتي من الله هاتيك الفضائل الكبريات وأسبغ عليه من كنوز هذا الكون ما يفوق في جماله وكماله كل تصور . . . أنى لبشر فريد مميز كهذا أن يأمر الناس بعبادته من دون الله ، حاشا لله أن تصدر هذه المقالة من سيد الكائنات وإمام البشرية كافة صلى الله عليه و سلم !

قوله : ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي ولكن يقول لهم كونوا ربانيين ، والرباني المنسوب إلى الرب لكونه عالما به مواظبا على طاعته مثلما يقال رجل إلهي إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته . وهو قول سيبويه . وقيل : الربانيون هم أرباب العلم ؛ وهو جمع ومفرده رباني وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي يعلمهم ويصلحهم . وهو قول المبرد .

وقيل : الرباني هو العالم الحكيم{[503]} .

قوله : ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي أن الرسول صلى الله عليه و سلم حقيق به على أن يقول للناس : كونوا ربانيين أي علماء حكماء مستمسكين بطاعة الله .

وذلك ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) أي بسبب كونكم عالمين ، فإن حصول العلم والدراسة للإنسان يفضي به إلى تحصيل الربانية له . والربانية هي العلم وطاعة الله ، وذلك إذا كانت القراءة بفتح التاء في ( تعلمون الكتاب ) أما إذا كانت القراءة بضم التاء وتشديد اللام ، كان المعنى : كونوا ربانيين بسبب تعليمكم الناس الكتاب ، وبسبب دراستكم إياه ، أي كونوا علماء بسبب كونكم معلمين وبسبب كونكم تدرسون العلم{[504]} .


[502]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 377.
[503]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 123 وفتح القدير جـ 1 ص 355.
[504]:- تفسير الرازي جـ 8 ص 123، 124 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 377 وتفسير الطبري جـ 3 ص 234 وفتح القدير جـ 1 ص 355.