ومشهد آخر من مشاهد هذا الكون التي يمر عليها الناس غافلين ؛ وفيها متعة للنظر ، وعبرة للقلب ، ومجال للتأمل في صنع الله وآياته ، وفي دلائل النور والهدى والإيمان :
ألم تر أن الله يزجي سحابا ، ثم يؤلف بينه ، ثم يجعله ركاما ، فترى الودق يخرج من خلاله . وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، فيصيب به من يشاء ، ويصرفه عمن يشاء ، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار . .
والمشهد يعرض على مهل وفي إطالة ، وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع . كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه ، وبعثه إلى التأمل والعبرة ، وتدبر ما وراءها من صنع الله .
إن يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان . ثم تؤلف بينه وتجمعه ، فإذا هو ركام بعضه فوق بعض . فإذا ثقل خرج منه الماء ، والوبل الهاطل ، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة ، فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة . . ومشهد السحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها ، فإذا المشهد مشهد الجبال حقا ، بضخامتها ، ومساقطها ، وارتفاعاتها وانخفاضاتها . وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس ، إلا بعد ما ركبوا الطائرات .
وهذه الجبال مسخرة بأمر الله ، وفق ناموسه الذي يحكم الكون ؛ ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء ، ويصرفه عمن يشاء . . وتكملة المشهد الضخم : ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار )ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض ، على طريقة التناسق في التصوير .
يؤلف بينه : يجمع بين أجزائه وقطعه .
ركاماً : متراكما بعضه فوق بعض .
من جبال : من قطعٍ عظام تشبه الجبال .
يذهب بالأبصار : يخطفها لشدة بريقه ولمعانه .
في هذه الآية والتي تليها دلالةٌ على قدرة الله ووحدانيته . . . . انظرُ أيها الرسولُ الكريم إلى السحابِ يسوقُه الريحُ بقدرة الله أول ما ينشئه ، ثم يجمع بين ما تفرّق من أجزائه ، ثم يجعل بعضَه متراكماً فوق بعض ، فترى المطرَ يخرج من خلاله . واللهُ يُنزل من مجموعات السحب المتراكمة التي تشبه الجبالَ في عِظَمِها بَرَداً ينزل على قومٍ فينفعهم أو يضرّهم تبعاً لقوانينه وإرادته ، ولا ينزل على آخرين كما يريد الله . وانظُر إلى ما في هذه السّحاب من بَرْقٍ يضيء بشدّةٍ وسرعة حتى يكاد يخطَفُ الأبصار ، كما في قوله تعالى : { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } [ البقرة : 20 ] .
وهذه الظواهر من أقوى الدلائل على قدرة الله ، وكلُّ من ركب الطائرة يعرف التشابه بين السحب والجبال ، فإنه يراها متراكمة كأنها الجبال والآكام ، وهذا من الأدلة الباهرة على إعجاز القرآن الكريم . ولم تُعرف هذه الصورة إلا بعد وجود الطائرات التي ترفع الإنسان فوق السحب فيراها على حقيقتها كما وُصفت في القرآن .
قوله تعالى : " ألم تر أن الله يزجي سحابا " ذكر من حججه شيئا آخر ، أي ألم تر بعيني قلبك . " يزجي سحابا " أي يسوق إلى حيث يشاء . والريح تزجي السحاب ، والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه . ومنه زجا الخراج يزجو زجاء - ممدودا - إذا تيسرت جبايته . وقال النابغة :
إني أتيتك من أهلي ومن وطني *** أزجِي حُشَاشَةَ نفسٍ ما بها رَمَقُ
أَسْرَتْ عليه من الجوزاء ساريةٌ *** تُزْجِي الشَّمَالُ عليه جامدَ البَرَدِ
" ثم يؤلف بينه " أي يجمعه عند انتشائه ؛ ليقوى ويتصل ويكثف . والأصل في التأليف الهمز ، تقول : تألف . وقرئ " يولف " بالواو تخفيفا . والسحاب واحد في اللفظ ، ولكن معناه جمع ؛ ولهذا قال : " وينشئ السحاب " {[12019]}[ الرعد : 12 ] . و " بين " لا يقع إلا لاثنين فصاعدا ، فكيف جاز بينه ؟ فالجواب أن " بينه " هنا لجماعة السحاب ، كما تقول : الشجر قد جلست بينه لأنه جمع ، وذكر الكناية على اللفظ ، قال معناه الفراء . وجواب آخر : وهو أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال بينه لأنه مشتمل على قطع كثيرة ، كما قال :
. . . بين الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فأوقع " بين " على الدخول ، وهو واحد لاشتماله على مواضع . وكما تقول : ما زلت أدور بين الكوفة لأن الكوفة أماكن كثيرة ، قاله الزجاج وغيره . وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز وكان يروى :
. . . بين الدَّخُول وَحَوْمَلِ
" ثم يجعله ركاما " أي مجتمعا ، يركب بعضه بعضا ، كقوله تعالى : " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " {[12020]} [ الطور : 44 ] . والركم جمع الشيء ، يقال منه : ركم الشيء يركمه ركما إذا جمعه وألقى بعضه على بعض . وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع . والركمة الطين المجموع . والركام : الرمل المتراكم . وكذلك السحاب وما أشبهه . ومرتكم الطريق - بفتح الكاف - جادته . " فترى الودق يخرج من خلاله " في " الودق " قولان : أحدهما : أنه البرق ، قاله أبو الأشهب العقيلي . ومنه قول الشاعر :
أثرنا عجاجة وخرجن منها *** خروج الوَدْقِ من خلل السحاب
الثاني : أنه المطر ، قاله الجمهور . ومنه قول الشاعر :
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا *** ولا أرضٌ أبْقَلَ إِبْقَالَهَا
فدمعهما وَدْقٌ وَسَحٌّ ودِيمَةٌ *** وَسَكْبٌ وتَوْكَافٌ وتَنْهَمِلاَنِ
يقال : ودقت السحابة فهي وادقة . وودق المطر يدق ودقا ، أي قطر . وودقت إليه دنوت منه . وفي المثل : ودق العير{[12021]} إلى الماء ، أي دنا منه . يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه . والموضع مَوْدِق . ووَدَقَتْ به ودقا استأنست به . ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل : وَدَقَتْ تَدِقُ وَدَقًا ، وأَوْدَقَتْ واسْتَوْدَقَتْ . وأَتَانٌ وَدُوقٌ وفرس وَدُوقٌ ، ووَدِيقٌ أيضا ، وبها وَدِاقٌ . والوديقة : شدة الحر . وخلال جمع خلل ، مثل الجبل والجبال ، وهي فُرَجُهُ ومخارج القطر منه . وقد تقدم في " البقرة " {[12022]} أن كعبا قال : إن السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض . وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية " من خلله " على التوحيد . وتقول : كنت في خلال القوم ، أي وسطهم . " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " قيل : خلق الله في السماء جبالا من برد ، فهو ينزل منها بردا ، وفيه إضمار ، أي ينزل من جبال البرد بردا ، فالمفعول محذوف . ونحو هذا قول الفراء ؛ لأن التقدير عنده : من جبال برد ، فالجبال عنده هي البرد . و " بَرَد " في موضع خفض ، ويجب أن يكون على قوله المعنى : من جبال برد فيها ، بتنوين جبال . وقيل : إن الله تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد ، فيكون التقدير : وينزل من السماء من جبال فيها بَرَد . و " من " صلة . وقيل : المعنى وينزل من السماء قدر جبال ، أو مثل جبال من برد إلى الأرض ، " فمن " الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال ، والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال من البرد . وقال الأخفش : إن " من " في " الجبال " و " برد " زائدة في الموضعين ، والجبال والبَرَد في موضع نصب ، أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال . والله أعلم . " فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء " فيكون إصابته نقمة وصرفه نعمة . وقد مضى في " البقرة " {[12023]} . و[ الرعد ]{[12024]} أن من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته عوفي مما يكون في ذلك الرعد . " يكاد سنا برقه " أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب " يذهب بالأبصار " من شدة بريقه وضوئه . قال الشماخ :
وما كادت إذا رفَعَتْ سَنَاها *** ليُبْصِرَ ضوءها إلاَّ البَصِيرُ
يضيءُ سَنَاهُ أو مصابيحُ راهبٍ *** أهانَ السَّلِيط{[12025]} في الذُّبال المُفَتَّلِ
فالسنا - مقصور - ضوء البرق . والسنا أيضا نبت يتداوى به . والسناء من الرفعة ممدود . وكذلك قرأ طلحة بن مصرف " سناء " بالمد على المبالغة من شدة الضوء والصفاء ، فأطلق عليه اسم الشرف . قال المبرد : السنا - مقصور - وهو اللمع ، فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود وأصلهما واحد وهو الالتماع{[12026]} . وقرأ طلحة بن مصرف " سناء برقه " قال أحمد بن يحيى : وهو جمع برقة . قال النحاس : البرقة المقدار من البرق ، والبرقة المرة الواحدة . وقرأ الجحدري وابن القعقاع " يُذهب بالأبصار " بضم الياء وكسر الهاء ، من الإذهاب ، وتكون الباء في " بالأبصار " صلة زائدة . الباقون " يذهب بالأبصار " بفتح الياء والهاء ، والباء للإلصاق . والبرق دليل على تكاثف السحاب ، وبشير بقوة المطر ، ومحذر من نزول الصواعق .