( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) . .
وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض ، وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ واقيا كالفراش . . والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه . ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش ، وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع . ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة . ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة . ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة !
فيها متانة البناء وتنسيق البناء . والسماء ذات علاقة وثيقة بحياة الناس في الأرض ، وبسهولة هذه الحياة . وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية اجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها ، تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها . فلا عجب أن تذكر في معرض تذكير الناس بقدرة الخالق ، وفضل الرازق ، واستحقاق المعبود للعبادة من العبيد المخاليق .
( وأنزل من السماء ماء ، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . .
وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به ، ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله ، والتذكير بنعمته كذلك . . والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعا . فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) . . سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض ، أو كون الأنهار والبحيرات العذبة ، أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية ، التي تتفجر عيونا أو تحفر آبارا ، أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى .
وقصة الماء في الأرض ، ودوره في حياة الناس ، وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها . . كل هذا أمر لا يقبل المماحكة ، فتكفي الإشارة إليه ، والتذكير به ، في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب .
وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي : وحدة الخالق لكل الخلائق ( الذي خلقكم والذين من قبلكم ) . . ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء . وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) . . فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان ، وسماؤه مبنية بنظام ، معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس . . والفضل في هذا كله للخالق الواحد :
( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) . .
تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم . وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء . وأنه لم يكن له شريك يساعد ، ولا ند يعارض . فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق !
والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة ، قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون . فقد تكون الأنداد في صور أخرى خفية . قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة ، وفي الخوف من غير الله في أي صورة . وفي الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة . . عن ابن عباس قال : " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل . وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان وحياتي . ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص . وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ! وقول الرجل : لولا الله وفلان . . هذا كله به شرك " . . . وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله [ ص ] ما شاء الله وشئت . قال : " أجعلتني لله ندا ؟ " !
هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله . . فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة ، وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة ! ! !
وبعد أن أرشدهم الرحمن إلى دلائل التوحيد ، وحثهم على عبادة الخالق العظيم ، أشار لهم إلى دلائل وحدانيته من آيات قدرته المحيطة بهم في أرضه وسمائه ، وبصّرهم بما أنعم عليهم فيها من وسائل الحياة ، وموارد الرزق ، فقال : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } مهّده بقدرته وبسَط رقعته بحكمته ، كيما يسهُل عليكم العيش فيها والانتفاع بها . والبسط والتمهيد هنا لا يعني كروية في الشكل ولا عدمها ، وإنما يعني تذليل الأرض لنفع الإنسان . لكنّ الله بسط لنا في الأرض السهول ، وجعل لنا فيه الجبال الشاهقة ، والبحار العميقة ، والأنهار الجارية ، والأودية السحيقة ، كل ذلك جعله لنا ، نتمتع بكافة خيراتها العديدة الأصناف .
أما فوقنا ، فقد جعل السماء وأجرامها وكواكبها المتراصة في نظرنا كالبنيان المشيد . ومن هذه السماء أمدّنا جلّ وعلا بسبب الحياة والنعمة ، ألا وهو الماء . أنزله علينا يغيثنا به ، فجعله سبباً لإخراج النبات والشجر المثمر .
لذا فإن من عمى البصيرة والبصر أيها الناس أن تجعلوا لله أندادا . فلا تفعلوه . إذ من الغيّ وحده أن تتصوروا أن لله نظراء ، ثم تأخذون تعبدونهم كعبادته . إنه خالقكم ، ليس له مثيل ولا شريك ، وأنتم بفطرتكم الأصيلة تعلمون أنه لا مثيل له ولا شريك ، فلا تحرّفوا هذه الطبيعة . نعم إن كثيراً من مشركي العرب كانوا يعتقدون بالإلَه ، لكنهم يتذرعون بقولهم : إنما نعبد هذه الأصنام لتُقِّربنا إلى الله . . فهل الله في حاجة إلى وثن يتخذه واسطة بينه وبين عباده ! !
وفي هذه الآية جزء من دلائل الإعجاز في القرآن الكريم ، وهو قوله تعالى { السماء بِنَآءً } ، ففي ذلك معنى ، ما كان يمكن أن يعرفه النبي الأميّ ، إلا بوحي من الله . فالسماء في المعنى العلمي هي : كل ما يحيط بالأرض في أي اتجاه ،
وإلى أي مدى ، وعلى أية صورة . ويشمل ذلك الجوّ المحيط بالأرض إلى ارتفاعات تنتهي حيث يبدأ الفراغ الكوني الشاسع ، بما فيه من الأجرام السماوية المنتشرة في أعماقه السحيقة ، على اختلاف أشكالها وأحجامها . وهي تتحرك في نظام بديع عجيب ، على أساسه يتوالى ظهورها واختفاؤها لسكان الأرض . وهي جميعاً في دورانها وترابطها بقوى الجاذبية ، كالبنيان في تماسكه واتزانه ، وتدّرجه طبقة بعد طبقة .
وكل هذا لم يكن معروفاً للعلم في عصر محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي الجزء الأدنى من السماء ، وهو الحد المحيط بالأرض ، القريبُ منها مباشرة- توجد الطبقات الجوية المختلفة الواقية من الإشعاعات الضارة عن أرجاء الكون ، والتي لا تسمح إلا للأشعة المنيرة منها بالنفاذ ، فهي كالمضلات الواقية . وفي هذه الطبقة يكون السحاب ومنه المطر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.