في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (275)

275

( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس . ذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا . وأحل الله البيع وحرم الربا . فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله . ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . يمحق الله الربا ويربي الصدقات . والله لا يحب كل كفار أثيم ) . .

إنها الحملة المفزعة ، والتصوير المرعب :

( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) . .

وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة . . صورة الممسوسالمصروع . . وهي صورة معروفة معهودة للناس . فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس ، لاستجاشة مشاعر المرابين ، وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي ؛ ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة . . وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها . بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة . . ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة ، هو القيام يوم البعث . ولكن هذه الصورة - فيما نرى - واقعة بذاتها في حياة البشرية في هذه الأرض أيضا . ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله . ونحن نرى أن هذه الحرب واقعة وقائمة الآن ومسلطة على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي . وقبل أن نفصل القول في مصداق هذه الحقيقة من واقع البشرية اليوم نبدأ بعرض الصورة الربوية التي كان يواجهها القرآن في الجزيرة العربية ؛ وتصورات أهل الجاهلية عنها . .

إن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان : ربا النسيئة . وربا الفضل .

فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة : " إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى ، فإذا حل الأجل ، ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه " .

وقال مجاهد " كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين ، فيقول : لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه " .

وقال أبو بكر الجصاص : " إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة . فكانت الزيادة بدلا من الأجل . فأبطله الله تعالى " . .

وقال الإمام الرازي في تفسيره : " إن ربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية . لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل ، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ، ورأس المال باق بحاله . فإذا حل طالبه برأس ماله . فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل " .

وقد ورد في حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أن النبي [ ص ] قال : " لا ربا إلا في النسيئة " . .

أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة . كبيع الذهب بالذهب . والدراهم بالدراهم . والقمح بالقمح . والشعير بالشعير . . وهكذا . . وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به ؛ ولما يصاحبه من مشاعر مشابهة للمشاعر المصاحبة لعملية الربا . . وهذه النقطة شديدة الأهمية لنا في الكلام عن العمليات الحاضرة !

عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله [ ص ] " الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح . . مثلا بمثل . . يدا بيد . . فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء " . .

وعن أبي سعيد الخدري أيضا قال : جاء بلال إلى النبي [ ص ] بتمر برني فقال له النبي [ ص ] " من أين هذا ؟ " قال : كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع . فقال : " أوه ! عين الربا . عين الربا . لا تفعل . ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به " .

فأما النوع الأول فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان ، إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية لكل عملية ربوية . وهي : الزيادة على أصل المال . والأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة . وكون هذه الفائدة شرطا مضمونا في التعاقد . أي ولادة المال للمال بسبب المدة ليس إلا . .

وأما النوع الثاني ، فما لا شك فيه أن هناك فروقا أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة . وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرديء وأخذ صاعا من التمر الجيد . . ولكن لأن تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية ، إذ يلد التمر التمر ! فقد وصفه [ ص ] بالربا . ونهى عنه . وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد . ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضا . إبعادا لشبح الربا من العملية تماما !

وكذلك شرط القبض : " يدا بيد " . . كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل ، ولو من غير زيادة ، فيه شبح من الربا ، وعنصر من عناصره !

إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسول [ ص ] بشبح الربا في أية عملية . وبلغت كذلك حكمته في علاج عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية .

فأما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا - ربا النسيئة - بالاستناد إلى حديث أسامة ، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية . وأن يحلوا - دينيا - وباسم الإسلام ! - الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية !

ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية . . فالإسلام ليس نظام شكليات . إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل . فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم صورة منه دون صورة . إنما كان يناهض تصورا يخالف تصوره ؛ ويحارب عقلية لا تتمشى مع عقليته . وكان شديد الحساسية في هذا إلى حد تحريم ربا الفضل إبعادا لشبح العقلية الربوية والمشاعر الربوية من بعيد جدا !

ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام . سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكال جديدة . ما دامت تتضمن العناصر الأساسية للعملية الربوية ، أو تتسم بسمة العقلية الربوية . . وهي عقلية الأثرة والجشع والفردية والمقامرة . وما دام يتلبس بها ذلك الشعور الخبيث . شعور الحصول على الربح بأية وسيلة !

فينبغي أن نعرف هذه الحقيقة جيدا . ونستيقن من الحرب المعلنة من الله ورسوله على المجتمع الربوي .

( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) . .

والذين يأكلون الربا ليسوا هم الذين يأخذون الفائدة الربوية وحدهم - وإن كانوا هم أول المهددين بهذا النص الرعيب - إنما هم أهل المجتمع الربوي كلهم .

عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال : لعن رسول الله [ ص ] آكل الربا وموكله ، وشاهديه وكاتبه ، وقال : " هم سواء " . .

وكان هذا في العمليات الربوية الفردية . فأما في المجتمع الذي يقوم كله على الأساس الربوي فأهله كلهم ملعونون . معرضون لحرب الله . مطرودون من رحمته بلا جدال .

إنهم لا يقومون في الحياة ولا يتحركون إلا حركة الممسوس المضطرب القلق المتخبط الذي لا ينال استقرارا ولا طمأنينة ولا راحة . . وإذا كان هناك شك في الماضي أيام نشأة النظام الرأسمالي الحديث في القرون الأربعة الماضية ، فإن تجربة هذه القرون لا تبقي مجالا للشك أبدا . .

إن العالم الذي نعيش فيه اليوم - في أنحاء الأرض - هو عالم القلق والاضطراب والخوف ؛ والأمراض العصبية والنفسية - باعتراف عقلاء أهله ومفكريه وعلمائه ودارسيه ، وبمشاهدات المراقبين والزائرين العابرين لأقطار الحضارة الغربية . . وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية ، والإنتاج الصناعي في مجموعه من الضخامة في هذه الأقطار . وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي التي تأخذ بالأبصار . . ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة ، وحرب الأعصاب ، والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك !

إنها الشقوة البائسة المنكودة ، التي لا تزيلها الحضارة المادية ، ولا الرخاء المادي ، ولا يسر الحياة المادية وخفضها ولينها في بقاع كثيرة . وما قيمة هذا كله إذا لم ينشىء في النفوس السعادة والرضى والاستقرار والطمأنينة ؟

إنها حقيقة تواجه من يريد أن يرى ؛ ولا يضع على عينيه غشاوة من صنع نفسه كي لا يرى ! حقيقة أن الناس في أكثر بلاد الأرض رخاء عاما . . في أمريكا ، وفي السويد ، وفي غيرهما من الأقطار التي تفيض رخاء ماديا . . إن الناس ليسوا سعداء . . أنهم قلقون يطل القلق من عيونهم وهم أغنياء ! وأن الملل يأكل حياتهم وهم مستغرقون في الإنتاج ! وأنهم يغرقون هذا الملل في العربدة والصخب تارة . وفي " التقاليع " الغريبة الشاذة تارة . وفي الشذوذ الجنسي والنفسي تارة . ثم يحسون بالحاجة إلى الهرب . الهرب من أنفسهم . ومن الخواء الذي يعشش فيها ! ومن الشقاء الذي ليس له سبب ظاهر من مرافق الحياة وجريانها . فيهربون بالانتحار . ويهربون بالجنون . ويهربون بالشذوذ ! ثم يطاردهم شبح القلق والخواء والفراغ ولا يدعهم يستريحون أبدا ! لماذا ؟

السبب الرئيسي طبعا هو خواء هذه الأرواح البشرية الهائمة المعذبة الضالة المنكودة - على كل ما لديها من الرخاء المادي - من زاد الروح . . من الإيمان . . من الاطمئنان إلى الله . . وخواؤها من الأهداف الإنسانية الكبيرة التي ينشئها ويرسمها الإيمان بالله ، وخلافة الأرض وفق عهده وشرطه .

ويتفرع من ذلك السبب الرئيسي الكبير . . بلاء الربا . . بلاء الاقتصاد الذي ينمو ولكنه لا ينمو سويا معتدلا بحيث تتوزع خيرات نموه وبركاتها على البشرية كلها . إنما ينمو مائلا جانحا إلى حفنة الممولين المرابين ، القابعين وراء المكاتب الضخمة في المصارف ، يقرضون الصناعة والتجارة بالفائدة المحددة المضمونة ؛ ويجبرون الصناعة والتجارة على أن تسير في طريق معين ليس هدفه الأول سد مصالح البشر وحاجاتهم التي يسعد بهاالجميع ؛ والتي تكفل عملا منتظما ورزقا مضمونا للجميع ؛ والتي تهيء طمأنينة نفسية وضمانات اجتماعية للجميع . . ولكن هدفه هو انتاج ما يحقق أعلى قدر من الربح - ولو حطم الملايين وحرم الملايين وأفسد حياة الملايين ، وزرع الشك والقلق والخوف في حياة البشرية جميعا !

وصدق الله العظيم : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) . . وها نحن أولاء نرى مصداق هذه الحقيقة في واقعنا العالمي اليوم !

ولقد اعترض المرابون في عهد رسول الله [ ص ] على تحريم الربا . اعترضوا بأنه ليس هناك مبرر لتحريم العمليات الربوية وتحليل العمليات التجارية :

( ذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا . وأحل الله البيع وحرم الربا ) . .

وكانت الشبهة التي ركنوا إليها ، هي أن البيع يحقق فائدة وربحا ، كما أن الربا يحقق فائدة وربحا . . وهي شبهة واهية . فالعمليات التجارية قابلة للربح وللخسارة . والمهارة الشخصية والجهد الشخصي والظروف الطبيعية الجارية في الحياة هي التي تتحكم في الربح والخسارة . أما العمليات الربوية فهي محددة الربح في كل حالة . وهذا هو الفارق الرئيسي . وهذا هو مناط التحريم والتحليل . .

إن كل عملية يضمن فيها الربح على أي وضع هي عملية ربوية محرمة بسبب ضمان الربح وتحديده . . ولا مجال للمماحلة في هذا ولا للمداورة !

( وأحل الله البيع وحرم الربا ) . . .

لانتفاء هذا العنصر من البيع ؛ ولأسباب أخرى كثيرة تجعل عمليات التجارة في أصلها نافعة للحياة البشرية ؛ وعمليات الربا في أصلها مفسدة للحياة البشرية . .

وقد عالج الإسلام الأوضاع التي كانت حاضرة في ذلك الزمان معالجة واقعية ؛ دون أن يحدث هزة اقتصادية واجتماعية :

( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ) . .

لقد جعل سريان نظامه منذ ابتداء تشريعه . فمن سمع موعظة ربه فانتهى فلا يسترد منه ما سلف أن أخذه من الربا وأمره فيه إلى الله ، يحكم فيه بما يراه . . وهذا التعبير يوحي للقلب بأن النجاة من سالف هذا الإثم مرهونة بإرادة الله ورحمته ؛ فيظل يتوجس من الأمر ؛ حتى يقول لنفسه : كفاني هذا الرصيد من العمل السيىء ، ولعل الله أن يعفيني من جرائره إذا أنا انتهيت وتبت . فلا أضف إليه جديدا بعد ! . . وهكذا يعالج القرآن مشاعر القلوب بهذا المنهج الفريد .

( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .

وهذا التهديد بحقيقة العذاب في الآخرة يقوي ملامح المنهج التربوي الذي أشرنا إليه ، ويعمقه في القلوب ؛

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (275)

يأكلون : يأخذون .

الربا : الزيادة .

يتخطبّه : يصرعه ويضربه .

المس : الجنون .

يمحق : ينقص .

يربي . يزيد .

ما سلف : ما تقدم .

يعتمد الإسلام في بناء المجتمع مبادىء قيمة ، أهمها في الجانب المادي من الحياة مطالبةُ كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل الذي يكفل له حاجته . لقد أشعرَ الأغنياء أن حق الانتفاع بهذا المال مشتركٌ بينهم وبين إخوانهم الفقراء . كما أوجب مدَّ يد المعونة إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين ، إما بالبذل والعطاء أو بتهيئة العمل . كذلك أوجب على ذوي المال أن يدفعوا إلى أولياء الأمر ما يمكنّهم من إقامة المصالح التي تحقق الخير للمجتمع .

على هذه الأسس التي تقتضيها الأُخوة والتعاون ، وتبادل الشعور بين الأفراد ، امتلأ القرآن بآيات الحث على الإنفاق للفقراء والمساكين وفي سبيل الله ، وفي هذا الوضع الذي انتهجه الإسلام في بناء المجتمع ، كان من غير المعقول أن يبيح للغني من أهله أن يستقل بمتعة ماله دون أن يمد يده على المحتاج من إخوانه والمواطنين في دولته .

وإذا كان من غير المعقول في الإسلام أن يباح للغني أن يقبض يده عن معونة أخيه الفقير ، فمن غير المعقول أشد أن يباح له استغلال أخيه وأخذ ماله بالربا وشد الخناق . لذلك عمد الإسلام إلى الإصلاح بتحريم الربا تحريماً قاطعا .

وقد جاء الإسلام في وقتٍ فرغت قلوب الناس فيه من معاني الرحمة والتعاون ، كانوا يأكل قويهم ضعيفهم ، ويستغل غنيهم فقيرهم ، فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر ، وإزالة الحواجز التي قطّعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون ، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحداً متماسك الأطراف . وكان أول ما اتخذه من ذلك إيجاباً الحثُّ على التعاون والتراحم . ثم كان تحذيره الشديد فيما يخص الناحية السلبية ، فحرَّم الربا والرشوة ، بعد أن حرم الشحَّ والضن بحق الفقير والمسكين .

وربا الجاهلية الذي كان عليه الناس نوعان : الأول : ربا النسيئة ، وهو أن يقرض الرجل أخاه من المال لزمن محدود على أن يدفعه له مع زيادة معينة . وقد نص القرآن على تحريمه ، وجعل التعامل به من الكبائر . والنوع الثاني : ربا الفضل ، وهو أن يبيع الرجل نوعا من السلعة بمثلها مع زيادة أحد العوضَين على الآخر ، كأن يبيع قنطارا من القمح بقنطار وربع أو نصف .

وهذا أيضا من الربا المنصوص على تحريمه في الحديث الشريف لقوله صلى الله عليه وسلم «ولا تبيعوا الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، والبُرَّ بالبر ، والتمر بالتمر ، والشعير بالشعير ، والملح بالملح إلا سواء بسواء ، عينا بعين ، يداً بيد » وقد اتفق الفقهاء على تحريمه ، وأباحوا الزيادة إذا اختلف الجنس . وقد حرموا التأجيل في هذه الأصناف ، واختلفوا في قياس غيرها عليها اختلافا كبيرا .

وتحريم الربا الذي جاء في القرآن الكريم ، تنظيم اقتصادي عظيم ، وهو يتفق مع قياس ما قرره الفلاسفة في الماضي ، وما انتهت إليه النظم الاقتصادية الحديثة . فأرسطو يقرر أن الكسب بالفائدة نظام غير طبيعي ، فالنقد لا يلد النقد .

والاقتصاديون يقررون أن طرق الكسب أربَع : ثلاثٌ منها منتجة والرابعة غير منتجة . فالثلاث المنتجة : العمل ويتبعه الصناعة ، والزراعة ، والمخاطرة في التجارة . . لأنها في نقل الأشياء من مكان إنتاجها إلى مكان استهلاكها تتعرض لمخاطر ، وتزيد قيمتها بهذا الانتقال . وذلك في ذاته انتقال . وذلك في ذاته إنتاج . أما الرابعة فهي : الفائدة أو الربا ، وهذه المخاطرة فيها ، لأن القرض لا يتعرض للخسارة ، بل له الكسب دائما ؛ ولأنه لا إنتاج إلا لِعملِ المقترض ، فالفائدة نتيجةٌ لذلك ، هذا كما أن إباحة الكسب بالفائدة تؤدي إلى تحكم رؤوس الأموال في العمل ، وهذا غير سليم .

وتذكر الآية أن الذين يتعاملون بالربا لا يقومون يوم القيامة من قبورهم كبقية الناس ، وإنما كالمجنون الذي أصابه مسّ من الشيطان فهو يتخبط بفعل الصرع . ولماذا ؟ لأنهم استحلّوا أكل الربا ، وقالوا لا فرق بين البيع والربا ، فكما يجوز بيع السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما بأجل ، يجوز أن يعطي الإنسان أحد المحتاجين عشرة دراهم على أن يردها بعد أجلٍ ، والسبب في كل من الزيادتين واحد هو الأجل . تلك حجتهم . وهم واهمون فيما قالوا ، وقياسهم فاسد . فالله أحلّ الأرباح في الشراء البيع وحرّم الربا . ذلك أن البيع ملاحَظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقاً ، أما الربا فهو إعطاء الدراهم ثم أخذُها بدون مخاطرة ولا تعب ، كما أن الكسب فيها مضمون دائما بخلاف التجارة والعمل .

{ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فإنتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ } ، أي : فمن بلغه تحريم الله الربا فتركه فورا ، فله ما كان قد أخذه من الربا فيما تقدم لا يكلَّف بردِّهِ إلى من دفعوه ، وإنما عليه ألا يأخذ ربا بعد ذلك . . إن أمره موكول إلى الله يحكم فيه بعدله وعفوه . أما من عاد إلى أكل الربا بعد تحريمه ، فأولئك الذين لم يتعظوا بموعظة من ربهم ، فهم أصحاب النار هم فيها خالدون .