( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا . فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ) . .
فهذا الغلام الذي لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق القتل ، قد كشف ستر الغيب عن حقيقته للعبد الصالح ، فإذا هو في طبيعته كافر طاغ ، تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان ، وتزيد على الزمن بروزا وتحققا . . فلو عاش لأرهق والديه المؤمنين بكفره وطغيانه ، وقادهما بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه .
قوله تعالى : " وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين " جاء في صحيح الحديث : ( أنه طبع يوم طبع كافر ) وهذا يؤيد ظاهره أنه غير بالغ ، ويحتمل أن يكون خبرا عنه مع كونه بالغا ، وقد تقدم [ هذا المعنى ]{[10681]} .
قوله تعالى : " فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " قيل : هو من كلام الخضر عليه السلام ، وهو الذي يشهد له سياق الكلام ، وهو قول كثير من المفسرين ، أي خفنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه الجهة . وقيل : هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر ، قال الطبري : معناه فعلمنا ، وكذا قال ابن عباس أي فعلمنا ، وهذا كما كني عن العلم بالخوف في قوله " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " [ البقرة : 229 ] . وحكي أن أبيا قرأ " فعلم ربك " وقيل : الخشية بمعنى الكراهة ، يقال : فرقت بينهما خشية أن يقتتلا ، أي كراهة ذلك . قال ابن عطية : والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة ، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين . وقرأ ابن مسعود " فخاف ربك " وهذا بين في الاستعارة ، وهذا نظير ما وقع القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون . و " يرهقهما " يجشمهما ويكلفهما ، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه فيضلا ويتدينا بدينه .
ولما كان كل من الغصب والمسكنة سبباً لفعله ، قدمها على الغصب ، إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين { وأما الغلام } {[47147]}أي الذي قتلته{[47148]} { فكان أبواه مؤمنين } وكان هو مطبوعاً على الكفر - كما {[47149]}يأتي في{[47150]} حديث أبيّ رضي الله عنه .
ولما كان يحتمل عند الخضر عليه السلام أن يكون هذا الغلام مع كفره في نفسه سبباً لكفر أبويه إن كبر ، وكان أمر الله له بقتله مثل{[47151]} فعل من يخشى ذلك ، أسند الفعل إليهما{[47152]} في قوله : { فخشينا أن يرهقهما } {[47153]}أي يغشيهما{[47154]} ويلحقهما إن كبر بمحبتهما له{[47155]} أو بجراءته{[47156]} وقساوته { طغياناً } أي تجاوزاً في الظلم{[47157]} وإفراطاً فيه{[47158]} { وكفراً * } لنعمتهما فيفسد دنياهما أو يحملهما حبهما له على الطغيان والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما ، روى مسلم في القدر{[47159]} وأبو داود في السنة{[47160]} والترمذي في التفسير{[47161]} عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً ، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً " وهذا وحديث : " الله أعلم بما كانوا عاملين{[47162]} " يدل على أن العذاب - على ما {[47163]}لو وجد شرطه لوقع{[47164]} - إنما يكون على ما كان جبلة وطبعاً ، لا ما كان عارضاً ، وإلا لعذب الأبوان{[47165]} {[47166]}على تقدير أن يكون المعلوم من الكفر منهما{[47167]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.