البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا} (80)

وقوله { فكان أبواه مؤمنين } في هذا حذف وهو أن المعنى وكان كافراً وكذا وجد في مصحف أبيّ .

وقرأ ابن عباس : { وأما الغلام فكان } كافراً وكان { أبواه مؤمنين } ونص في الحديث على أنه كان كافراً مطبوعاً على الكفر ، ويراد بأبويه أبوه وأمه ثنى تغليباً من باب القمرين في القمر والشمس ، وهي تثنية لا تنقاس .

وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري : فكان أبواه مؤمنان ، فخرجه الزمخشري وابن عطية وأبو الفضل الرازي على أن في كان ضمير الشأن ، والجملة في موضع خبر لكان ، وأجاز أبو الفضل الرازي على أن في كان ضمير الشأن والجملة في موضع خبر لكان ، وأجاز أبو الفضل الرازي أن يكون مؤمنان على لغة بني الحارث بن كعب ، فيكون منصوباً ، وأجاز أيضاً أن يكون في كان ضمير الغلام والجملة خبر كان .

{ فخشينا } أي خفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين { طغياناً } عليهما { وكفراً } لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ، ويلحق بهما شراً وبلاءً ، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره ، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان ، وطاغ كافر أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان .

وإنما خشي الخضر منه ذلك لأن الله عز وعلا أعلمه بحاله وأطلعه على سرائر أمره وأمره بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته .

وفي قراءة أُبيّ فخاف ربك ، والمعنى فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيره .

ويجوز أن يكون قوله { فخشينا } حكاية لقول الله عز وجل بمعنى فكرهنا كقوله { لأهب لك } قاله الزمخشري .

وفي قوله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته مذهب المعتزلة في قولهم بالأجلين ، والظاهر إسناد فعل الخشية في خشينا إلى ضمير الخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا .

وقيل : هو في جهة الله وعنه عبر الخضر وهو الذي قال فيه الزمخشري ، ويجوز أن يكون إلى آخر كلامه .

قال الطبري : ومعناه وقال : معناه فكرهنا .

قال ابن عطية : والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة أي على ظن المخلوقين ، والمخاطب لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للوالدين .

وقرأ ابن مسعود فخاف ربك ، وهذا بين الاستعارة في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى فإن جميع ما في هذا كله من ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون .

و { يرهقهما } معناه يجشمهما ويكلفهما بشدة ، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتبّاعه .