إن الطريقة التي اتبعت في عرض هذه القصة من الناحية الفنية هي طريقة التلخيص الإجمالي أولا ، ثم العرض التفصيلي أخيرا . وهي تعرض في مشاهد وتترك بين المشاهد فجوات يعرف ما فيها من السياق . وهي تبدأ هكذا :
( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا . إذ أوى الفتية إلى الكهف ، فقالوا : ربنا آتنا من لدنك رحمة ، وهيء لنا من أمرنا رشدا . فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) .
مذهب سيبويه أن " أم " إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام ، وهي المنقطعة . وقيل : " أم " عطف على معنى الاستفهام في لعلك ، أو بمعنى ألف الاستفهام على الإنكار . قال الطبري : وهو تقرير للنبي صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجبا ، بمعنى إنكار ذلك عليه ، أي لا يعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة ، فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشيع ، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك أن المشركين سألوه عن فتية فقدوا ، وعن ذي القرنين وعن الروح ، وأبطأ الوحي على ما تقدم . فلما نزل قال الله تعالى لنبيه عليه السلام : أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ، أي ليسوا بعجب من آياتنا ، بل في آياتنا ما هو أعجب من خبرهم . الكلبي : خلق السماوات والأرض أعجب من خبرهم . الضحاك : ما أطلعتك عله من الغيب أعجب . الجنيد : شأنك في الإسراء أعجب . الماوردي : معنى الكلام النفي ؛ أي ما حسبت لولا إخبارنا . أبو سهل : استفهام تقرير ، أي أحسبت ذلك فإنهم عجب . والكهف : النقب المتسع في الجبل ، وما لم يتسع فهو غار . وحكى النقاش عن أنس بن مالك أنه قال : الكهف الجبل ، وهذا غير شهير في اللغة . واختلف الناس في الرقيم ، فقال ابن عباس : كل شيء في القرآن أعلمه إلا أربعة : غسلين وحنان والأواه والرقيم . وسئل مرة عن الرقيم فقال : زعم كعب أنها قرية خرجوا منها . وقال مجاهد : الرقيم واد . وقال السدي : الرقيم الصخرة التي كانت على الكهف . وقال ابن زيد : الرقيم كتاب غم الله علينا أمره ، ولم يشرح لنا قصته . وقالت فرقة : الرقيم كتاب في لوح من نحاس . وقال ابن عباس : في لوح من رصاص كتب فيه القوم الكفار الذي فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخا لهم ، ذكروا وقت فقدهم ، وكم كانوا ، وبين{[10435]} من كانوا . وكذا قال القراء ، قال : الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا . قال ابن عطية : ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوما مؤرخين للحوادث ، وذلك من نبل المملكة ، وهو أمر مفيد . وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ، ومنه كتاب مرقوم . ومنه الأرقم لتخطيطه . ومنه رقمة الوادي ، أي مكان جري الماء وانعطافه . وما روي عن ابن عباس ليس بمتناقض ؛ لأن القول الأول إنما سمعه من كعب . والقول الثاني يجوز أن يكون عرف الرقيم بعده . وروى عنه سعيد بن جبير قال : ذكر ابن عباس أصحاب الكهف فقال : إن الفتية فقدوا فطلبهم أهلوهم فلم يجدوهم فرفع ذلك إلى الملك فقال : ليكونن لهم نبأ ، وأحضر لوحا من رصاص فكتب فيه أسماءهم وجعله في خزانته ، فذلك اللوح هو الرقيم . وقيل : إن مؤمنين كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في البنيان ، فالله أعلم . وعن ابن عباس أيضا : الرقيم كتاب مرقوم{[10436]} كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام . وقال النقاش عن قتادة : الرقيم دراهمهم . وقال أنس بن مالك والشعبي : الرقيم كلبهم . وقال عكرمة : الرقيم الدواة . وقيل : الرقيم اللوح من الذهب تحت الجدار الذي أقامه الخضر . وقيل : الرقيم أصحاب الغار الذي انطبق عليهم ، فذكر كل واحد منهم أصلح عمله .
قلت : وفي هذا خبر معروف أخرجه الصحيحان{[10437]} ، وإليه نحا البخاري . وقال قوم : أخبر الله عن أصحاب الكهف ، ولم يخبر عن أصحاب الرقيم بشيء . وقال الضحاك : الرقيم بلدة بالروم فيها غار فيه أحد وعشرون نفسا كأنهم نيام على هيئة أصحاب الكهف ، فعلى هذا هم فتية آخرون جرى لهم ما جرى لأصحاب الكهف . والله أعلم . وقيل : الرقيم واد دون فلسطين فيه الكهف ؛ مأخوذ من رقمة الوادي وهي موضع الماء ، يقال : عليك بالرقمة ودع الضفة ، ذكره الغزنوي . قال ابن عطية : وبالشام على ما سمعت به من ناس كثير كهف فيه موتى ، يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رِمَّة . وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رِمَّة ، وأكثرهم قد تجرد لحمه وبعضهم متماسك ، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة{[10438]} . ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف ، دخلت إليهم ورأيهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة ، وعليهم مسجد ، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم ، كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه ، وهو في فلاة من الأرض خربة ، وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس ، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها .
قلت : ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم ، لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف : " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا " [ الكهف : 18 ] . وقال ابن عباس لمعاوية لما أراد رؤيتهم : قد منع الله من هو خير منك عن ذلك ، وسيأتي في آخر القصة . وقال مجاهد في قول " كانوا من آياتنا عجبا " قال : هم عجب . كذا روى ابن جريج عنه ، يذهب إلى أنه بإنكار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عنده أنهم عجب . وروى ابن نجيح عنه قال : يقول ليس بأعجب آياتنا .
ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب{[45557]} ، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب ، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار ، والتجلي على الأبصار ، هذا إلى{[45558]} ما له من الآيات التي تزيد على العد ، ولا يحصر بحد ، من خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ذلك ، حقر آية أصحاب{[45559]} الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ذلك ، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجباً ، فنبه على ذلك بقوله {[45560]}تعالى عطفاً على ما تقديره{[45561]} : أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا ؟ : { أم حسبت } {[45562]}على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين{[45563]} { أن أصحاب الكهف } أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت { والرقيم } أي القرية أو الجبل { كانوا } هم فقط { من ءاياتنا عجباً * } {[45564]}على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب{[45565]} ، والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا ، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي{[45566]} الذي أعرضتم{[45567]} عنه بإلفكم{[45568]} له من كثرة تكرره فيكم ، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين أجناسه ، واختلاف ألوانه وأنواعه ، وتضاد طبائعه ، من مادة واحدة ، يهتز{[45569]} بالينبوع ، يبهج الناظرين ويروق المتأملين ، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب ، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه فيخرج أخضر يانعاً يهتز بالنمو على أحسن ما كان ، وهكذا كل سنة ، فهذا بلا شك أعجب حالاً ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير{[45570]} ثم ردت أرواحهم فيها ، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس{[45571]} أكثر من مقدار{[45572]} ما لبثوا ، وهذا الكهف - قيل : هو في جبال{[45573]} بمدينة طرسوس وهو المشهور ، وقال أبو حيان{[45574]} : قيل : هو في الروم ، وقيل : في الشام ، وقيل : في الأندلس{[45575]} ، قال : في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى{[45576]} لوشة كهف فيه موتى{[45577]} ومعهم كلب رمة ، وأكثرهم{[45578]} قد انجرد لحمه ، وبعضهم متماسك{[45579]} وقد مضت القرون السالفة{[45580]} ولم نجد من عرف شأنهم ، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف ، ونقل عن ابن عطية قال : دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة و{[45581]}عليهم مسجد وقريب منهم{[45582]} بناء رومي يسمى الرقيم ، وهو{[45583]} في فلاة من الأرض ، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس ، ونقل أبو حيان عن أبيه أنه{[45584]} حين كان{[45585]} بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون{[45586]} في عدتهم{[45587]} إذا عدوهم وأن معهم كلباً ، قال : وأما ما ذكرت{[45588]} من مدينة دقيوس التي بقبلي{[45589]} غرناطة ، فقد مررت عليها مراراً لا تحصى ، قال : ويترجح كون{[45590]} أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصاً .
قلت : وفيه نظر ، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي{[45591]} وغيره{[45592]} عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : غزونا مع معاوية بحر الروم{[45593]} فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف{[45594]} فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم .