وكانت الاستجابة سريعة ومباشرة : ( فاستجبنا له ، ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه )وكانت عقيما لا تصلح للنسل . . ويختصر السياق تفصيلات هذا كله ليصل مباشرة إلى استجابة الله للدعاء .
( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) . . فسارع الله في استجابة الدعاء .
( ويدعوننا رغبا ورهبا ) . . رغبة في الرضوان ورهبة للغضب . فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع . ( وكانوا لنا خاشعين ) . . لا متكبرين ولا متجبرين . .
بهذه الصفات في زكريا وزوجه وابنهما يحيى استحق الوالدان أن ينعم عليهما بالابن الصالح . فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة الله ورضاه .
قوله تعالى : " فاستجبنا له " أي أجبنا دعاءه : " ووهبنا له يحيى " . تقدم . " وأصلحنا له زوجه " قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا . وقال ابن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق ، طويلة اللسان ، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق .
قلت : ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا . " إنهم " يعني الأنبياء المسلمين في هذه السورة " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات " وقيل : الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى .
الأولى- قوله تعالى : " ويدعوننا رغبا ورهبا " أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة . وقيل : المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف ؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمان . وقيل : الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء ، والرهب رفع ظهورها ، قاله خصيف ، وقال ابن عطية : وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه ، فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه ، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك ، والرهب من حيث هو دفع يحسن معه طرح ذلك ، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه .
الثانية-روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يسمح بهما وجهه ، وقد مضى في " الأعراف " {[11356]} الاختلاف في رفع الأيدي ، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك . وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين ؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه ، روي عن ابن عمر وابن عباس . وكان علي يد بباطن كفيه ، وعن أنس مثله ، وهو ظاهر حديث الترمذي . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم ) . وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه ، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ، قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه وقيل حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه . قال أبو جعفر الطبري : والصواب أن يقال : إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم متفقة غير مختلفة المعاني ، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس : إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص ، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو{[11357]} الدعاء ، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال . قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما . و " رغبا ورهبا " منصوبان على المصدر ، أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا . أو على المفعول من أجله ، أي للرغب والرهب . أو على الحال . وقرأ طلحة بن مصرف " ويدعونا " بنون واحدة . وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل ، والعدم والضرب لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا " رغبا ورهبا " بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء ، وهما لغتان . مثل نهر ونهر وصخر وصخر . ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو . " وكانوا لنا خاشعين " أي متواضعين خاضعين .
{ فاستجبنا له } بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به{[51636]} معه وزوجه في حال من العقم لا يرجى معه حبلها ، فكيف وقد جاوزت سن اليأس ، {[51637]} ولذلك عبر{[51638]} بما يدل على العظمة فقال : { ووهبنا له يحيى } وارثاً حكيماً نبياً عظيماً{[51639]} { وأصلحنا له } خاصة {[51640]} من بين{[51641]} أهل ذلك الزمان { زوجه } أي جعلناها صالحة لكل خير ، خالصة له{[51642]} ولا سيما لما مننا عليه {[51643]} به من هذه الهبة{[51644]} بعد أن كانت بعقمها وكبرها غير صالحة له بوجه يقدر عليه غيرنا ؛ ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث والمصلحة للولادة فقال ، مؤكداً{[51645]} ترغيباً في مثل أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره{[51646]} : { إنهم كانوا } مجبولين في أول ما خلقناهم جبلة خير ، مهيئين لأنهم { يسارعون في الخيرات } أي يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر ، {[51647]} ودل على عظيم أفعالهم بقوله{[51648]} : { ويدعوننا } {[51649]} مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا{[51650]} { رغباً } في رحمتنا { ورهباً } من سطوتنا { وكانوا } {[51651]} أي جبلة وطبعاً{[51652]} { لنا } خاصة{[51653]} { خاشعين* } ي خائفين خوفاً عظيماً يحملهم على الخضوع والانكسار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.