قوله تعالى : " وكذلك ننجي المؤمنين " أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم . وذلك قوله : " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون{[11348]} " [ الصافات : 143 - 144 ] وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له حق تعبده ، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة . وقال الأستاذ أبو إسحاق : صحب ذو النون الحوت أياما قلائل فإلي يوم القيامة يقال له ذو النون ، فما ظنك بعيد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده ! لا يظن به ذلك . " من الغم " أي من بطن الحوت . قوله تعالى : " وكذلك ننجي المؤمنين " قراءة العامة بنونين من أنجي ينجي . وقرأ ابن عامر " نجي " بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين ، كما تقول : ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد :
ولو ولدتْ قُفَيْرَةُ{[11349]} جروَ كلبٍ *** لسُبَّ بذلك الجرو الكِلاَبَا
أراد لسب السب بذلك الجرو . وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقي ورضي فلا يحرك الياء . وقرأ الحسن " وذروا ما بقي من الربا{[11350]} " [ البقرة : 278 ] استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة . وأنشد :
خَمَّرَ الشَّيْبُ لِمَّتِي تَخْمِيرا *** وحدا بي إلى القبورِ البَعِيرَا
ليت شعري إذا القيامة قامت*** ودُعِيَ بالحساب أين المصيرَا
سكن الياء في دعي استثقالا لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا ، المشيبُ ، أي وحدا المشيب البعير ؛ ليت شعري المصير أين هو . هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة . وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا : هو لحن ؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله ، وإنما يقال : نجي المؤمنون . كما يقال : كرم الصالحون . ولا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا ؛ لأنه لا فائدة [ فيه ]{[11351]} إذ كان ضرب يدل على الضرب . ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى . ولأبي عبيد قول آخر - وقال القتبي - وهو أنه أدغم النون في الجيم . النحاس : وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين ؛ لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها ، ولا يجوز في " من جاء بالحسنة{[11352]} " " مجاء بالحسنة " قال النحاس : ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان . قال : الأصل ننجي فحذف إحدى النونين ؛ لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين ؛ لاجتماعهما نحو قوله عز وجل : " ولا تفرقوا " {[11353]} [ آل عمران : 103 ] والأصل تتفرقوا . وقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية " وكذلك نجّى المؤمنين " أي نجّى الله المؤمنين ، وهي حسنة .
ولذلك قال تعالى {[51600]} مسبباً عن دعائه{[51601]} : { فاستجبنا له } أي أوجدنا الإجابة إيجاد من هو طالب لها تصديقاً{[51602]} لظنه أن لن نعاقبه " أنا عند ظن عبدي بي " والآية تفهم أن شرط الكون مع من يظن الخير دوام{[51603]} الذكر وصدق الإلتجاء{[51604]} ، وقال الرازي في اللوامع : وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء بالتوحيد ثم بالتسبيح والثناء ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار ، وهذا شرط كل دعاء - انتهى .
ولما كان التقدير : فخلصناه مما كان فيه ، عطف عليه {[51605]} قوله ، تنبيهاً{[51606]} {[51607]} على أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة{[51608]} : { ونجيناه } {[51609]} أي بالعظمة البالغة{[51610]} تنجية عظيمة ، وأنجيناه إنجاء عظيماً{[51611]} { من الغم } الذي كان ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره ، قال الرازي : وأصل الغم الغطاء على القلب - انتهى . فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع .
ولما كان هذا وما تقدمه أموراً غريبة ، أشار إلى القدرة على أمثالها من جميع الممكنات ، وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله : { وكذلك } أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية{[51612]} { ننجي } {[51613]} أي بمثل ذلك العظمة{[51614]} { المؤمنين* } إنجاء عظيماً وننجيهم تنجية عظيمة ، {[51615]} ذكر التنجية أولاً يدل على مثلها ثانياً ، وذكر الإنجاء ثانياً يدل على مثله أولاً وسر ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - بما أشار إليه بحديث " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " " يبتلى المرء على قدر دينه " فيسلهم سبحانه من البلاء كما تسل الشعرة من العجين ، فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم رضي الله عنه بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه{[51616]} ، أو يكون المعنى أن من دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته{[51617]} ، فإن المؤمن متى حصلت له هفوة{[51618]} راجع ربه فنادى {[51619]} معترفاً بذنبه{[51620]} هذا النداء{[51621]} ، ولاسيما إن مسه{[51622]} بسوط الأدب ، فبادر إليه الهرب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.