هذا الدرس جولة مع النصارى من أهل الكتاب ، كما كان الدرس الماضي جولة مع اليهود منهم وهؤلاء وهؤلاء من أهل الكتاب ، الموجه إليهم هذا الخطاب .
وفي الدرس الماضي أنصف القرآن عيسى بن مريم وأمه الطاهرة من افتراءات اليهود ، وأنصف العقيدة الصحيحة في حكاية صلب المسيح - عليه السلام - وأنصف الحق نفسه من يهود ، وأفاعيل يهود ، وعنت يهود !
وفي هذا الدرس يتجه السياق إلى إنصاف الحق والعقيدة ، وإنصاف عيسى بن مريم كذلك من غلو النصارى في شأن المسيح - عليه السلام - ومن الأساطير الوثنية التي تسربت إلى النصرانية السمحة من شتى الأقوام ، وشتى الملل ، التي احتكت بها النصرانية ؛ سواء في ذلك أساطير الإغريق والرومان ، وأساطير قدماء المصريين ، وأساطير الهنود !
ولقد تولى القرآن الكريم تصحيح عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدها مليئة بالتحريفات مشحونة بالأساطير ؛ كما تولى تصحيح عقائد المشركين ، المتخلفة من بقايا الحنيفية دين إبراهيم - عليه السلام - في الجزيرة العربية ومن ركام فوقها من أساطير البشر وترهات الجاهلية !
لا بل جاء الإسلام ليتولى تصحيح العقيدة في الله للبشر أجمعين ؛ وينقذها من كل انحراف وكل اختلال ، وكل غلو ، وكل تفريط ، في تفكير البشر أجمعين . . فصحح - فيما صحح - اختلالات تصور التوحيد في أراء أرسطو في أثينا قبل الميلاد ، وأفلوطين في الإسكندرية بعد الميلاد ؛ وما بينهما وما تلاهما من شتى التصورات في شتى الفلسفات التي كانت تخبط في التيه ، معتمدة على ذبالة العقل البشري ، الذي لا بد أن تعينه الرسالة ، ليهتدي في هذا التيه !
والقضية التي يعرض لها السياق في هذه الآيات ، هي قضية " التثليث " وما تتضمنه من أسطورة " بنوة المسيح " لتقرير وحدانية الله سبحانه على الوجه المستقيم الصحيح .
ولقد جاء الإسلام والعقيدة التي يعتنقها النصارى - على اختلاف المذاهب - هي عقيدة أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة : الآب ، والابن ، والروح القدس . والمسيح هو " الابن " . . ثم تختلف المذاهب بعد ذلك في المسيح . هل هو ذو طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية ؟ أم هل هو ذو طبيعة واحدة لاهوتية فقط . وهل هو ذو مشيئة واحدة مع اختلاف الطبيعتين ؟ وهل هو قديم كالآب أو مخلوق . . إلى آخر ما تفرقت به المذاهب ، وقامت عليه الاضطهادات بين الفرق المختلفة . . ( وسيأتي شيء من تفصيل هذا الإجمال في مناسبته في سياق سورة المائدة ) .
والثابت من التتبع التاريخي لأطوار العقيدة النصرانية ، أن عقيدة التثليث ، وكذلك عقيدة بنوة المسيح لله - سبحانه - ( ومثلها عقيدة ألوهية أمه مريم ، ودخولها في التثليثات المتعددة الأشكال ) كلها لم تصاحب النصرانية الأولى . إنما دخلت إليها على فترات متفاوتة التاريخ ، مع الوثنيين الذين دخلوا في النصرانية ، وهم لم يبرأوا بعد من التصورات الوثنية والآلهة المتعددة . والتثليث بالذات يغلب أن يكون مقتبساً من الديانات المصرية القديمة ، من تثليث " أوزوريس وإيزيس ، وحوريس " والتثليثات المتعددة في هذه الديانة . .
وقد ظل النصارى الموحدون يقاومون الاضطهادات التي أنزلها بهم الأباطرة الرومان ، والمجامع المقدسة الموالية للدولة ( الملوكانيون ) إلى ما بعد القرن السادس الميلادي على الرغم من كل ما لاقوه من اضطهاد وتغرب وتشرد بعيدا عن أيدي السلطات الرومانية !
وما تزال فكرة " التثليث " تصدم عقول المثقفين من النصارى ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق ، ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض !
يقول القس بوطر صاحب رسالة : " الأصول والفروع " أحد شراح العقيدة النصرانية ، في هذه القضية :
" قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا . ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل ، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض " .
ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية . وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية . فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الورادة في سياق هذه السورة ، لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد !
( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ، ولا تقولوا على الله إلا الحق . إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه . فآمنوا بالله ورسله ، ولا تقولوا ثلاثة . انتهوا خيرا لكم . إنما الله إله واحد . سبحانه أن يكون له ولد . له ما في السماوات وما في الأرض ، وكفى بالله وكيلاً ) . .
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق ، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق ؛ فيزعموا له ولدا - سبحانه - كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة . .
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة ، وفكرة التثليث ، حسب رقي التفكير وانحطاطه . ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله ، والذي تزيده الثقافة العقلية ، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر . ولكن عن " المحبة " بين الآب والابن . وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة . . بأنها " صفات " لله سبحانه في " حالات " مختلفة . . وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري . فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض .
والله - سبحانه - تعالى عن الشركة ؛ وتعالى عن المشابهة . ومقتضى كونه خالقا يستتبع . . بذاته . . أن يكون غير الخلق . . وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق . والمالك والملك . . وإلى هذا يشير النصر القرآني :
( إنما الله إله واحد . سبحانه ! أن يكون له ولد ؟ له ما في السماوات وما في الأرض )
وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيبا في عرف البشر ، خارقا لما ألفوه ، فهذا العجب إنما تنششه مخالفة المألوف . والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود . والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله . والله يخلق السنة ويجريها ، ويصرفها حسب مشيئته . ولا حد لمشيئته .
والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح :
( إنما المسيح عيسى ابن مريم ، رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ) . .
فهو على وجه القصد والتحديد : ( رسول الله ) . .
شأنه في هذا شأن بقية الرسل . شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان . .
وأقرب تفسير لهذه العبارة ، أنه سبحانه ، خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر ، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن : إنه ( كن . . فيكون ) . . فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب - كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم - والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم ، لا عجب في أن تخلق عيسى - عليه السلام - في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله :
وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه . فكان " إنسانًا " . . كما يقول الله تعالى : ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) . . وكذلك قال في قصة عيسى : ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ) فالأمر له سابقة . . والروح هنا هو الروح هناك . . ولم يقل أحد من أهل الكتاب - وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح الله - إن آدم إله ، ولا أقنوم من أقانيم الإله . كما قالوا عن عيسى ؛ مع تشابه الحال - من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك . بل إن آدم خلق من غير أب وأم : وعيسى خلق مع وجود أم . . وكذلك قال الله : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون ) . .
ويعجب الإنسان - وهو يرى وضوح القضية وبساطتها - من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله ، في أذهان أجيال وأجيال وهي - كما يصورها القرآن - بسيطة بسيطة ، وواضحة مكشوفة .
إن الذي وهب لآدم . . من غير أبوين . . حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه ، لهو الذي وهب عيسى . . من غير أب . . هذه الحياة الإنسانية كذلك . . وهذاالكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح ، لمجرد أنه جاء من غير أب . وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك ! . . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا :
( فآمنوا بالله ورسله . ولا تقولوا : ثلاثة . انتهوا خيرا لكم ) . .
وهذه الدعوة للإيمان بالله ورسله - ومن بينهم عيسى بوصفه رسولا ، ومحمد بوصفه خاتم النبيين - والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير ، تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح . . ( إنما الله إله واحد ) . . تشهد بهذا وحده الناموس . . ووحدة الخلق . ووحدة الطريقة : كن . . فيكون . . ويشهد بذلك العقل البشري ذاته . فالقضية في حدود إدراكه . فالعقل لا يتصور خالقا يشبه مخلوقاته ، ولا ثلاثة في واحد . ولا واحدا في ثلاثة :
والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل . . والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين ؛ وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء :
( له ما في السماوات وما في الأرض ) . .
ويكفي البشر أن يرتبطوا كلهم بالله ارتباط العبودية للمعبود ؛ وهو يرعاهم أجمعين ، ولا حاجة لافتراض قرابة بينهم وبينه عن طريق ابن له منهم ! فالصلة قائمة بالرعاية والكلاءة : ( وكفى بالله وكيلا ) . .
وهكذا لا يكتفي القرآن ببيان الحقية وتقريرها في شأن العقيدة . إنما يضيف إليها أراحة شعور الناس من ناحية رعاية الله لهم ؛ وقيامه - سبحانه - عليهم وعلى حوائجهم ومصالحهم ؛ ليكلوا إليه أمرهم كله في طمأنينة . .
قوله تعالى : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم " نهى عن الغلو . والغلو التجاوز في الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاء ؛ وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها{[5159]} ، ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا ، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ؛ ولذلك قال مطرف بن عبدالله : الحسنة بين سيئتين ، وقال الشاعر :
وأوفِ ولا تَسْتَوْفِ حَقَّكَ كله *** وصافح فلم يستوفِ قَطُّ كَرِيمُ
ولا تغلُ في شيء من الأمر *** واقتصد كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمُ وقال آخر :
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة *** ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وفي صحيح البخاري عنه عليه السلام : ( لا تطروني{[5160]} كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبدالله ورسوله ) .
قوله تعالى : " ولا تقولوا على الله إلا الحق " أي لا تقولوا إن له شريكا أو ابنا . ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال : " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته "
الأولى : قوله تعالى : " إنما المسيح " المسيح رفع بالابتداء ؛ و " عيسى " بدل منه وكذا " ابن مريم " . ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى : إنما المسيح ابن مريم . ودل بقوله : " عيسى ابن مريم " على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها ، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا . ويكون " رسول الله " خبرا بعد خبر .
الثانية : لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران ، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ، فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ ، ولا يبتذلون أسماءهن ، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك ، فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ، فلما قالت النصارى في مريم ما قالت ، وفي ابنها صرح الله باسمها ، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها ، وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها .
الثالثة : اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب ، فإذا تكرر اسمه{[5161]} منسوبا للام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه ، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله . والله أعلم .
قوله تعالى : " وكلمته ألقاها إلى مريم " أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا من غير أب ، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرا عنه . وقيل : " كلمته " بشارة الله تعالى مريم عليها السلام ، ورسالته إليها على لسان جبريل عليه السلام{[5162]} ؛ وذلك قوله : " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه " {[5163]} [ آل عمران : 45 ] . وقيل : " الكلمة " ههنا بمعنى الآية ، قال الله تعالى : " وصدقت بكلمات ربها{[5164]} " [ التحريم : 12 ] و " ما نفدت كلمات الله{[5165]} " [ لقمان : 27 ] . وكان لعيسى أربعة أسماء : المسيح وعيسى وكلمة وروح ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن . ومعنى " ألقاها إلى مريم " أمر بها مريم{[5166]} .
قوله تعالى : " وروح منه " هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال ، فقالوا : عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ، وعنه أجوبة ثمانية : الأول : قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ، ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام ، فلهذا قال : " وروح منه " . وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ، وهذا كقوله : " وطهر بيتي للطائفين " {[5167]} [ الحج : 26 ] ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ، كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل : يسمى روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام ، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح . قال الشاعر - هو ذو الرمة :
فقلت له ارفَعْها إليك وأَحْيِها *** بروحك{[5168]} واقْتَتْهُ لها قيتَةً قَدْرَا
وقد ورد أن جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله ، وعلى هذا يكون " وروح منه " معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في " ألقاها " التقدير : ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم . وقيل : " روح منه " {[5169]} أي من خلقه ؛ كما قال : " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه " [ الجاثية : 13 ] أي من خلقه . وقيل : " روح منه " أي رحمة منه ؛ فكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه ، ومنه قوله تعالى : " وأيدهم بروح منه " {[5170]} [ المجادلة : 22 ] أي برحمة ، وقرئ : " فروح وريحان " {[5171]} . وقيل : " وروح منه " وبرهان منه ؛ وكان عيسى برهانا وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : " فآمنوا بالله ورسله " أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله ، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها . " ولا تقولوا " آلهتنا " ثلاثة " عن الزجاج . قال ابن عباس : يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه . وقال الفراء وأبو عبيد : أي لا تقولوا هم ثلاثة ، كقوله تعالى : " سيقولون ثلاثة " {[5172]} [ الكهف : 22 ] . قال{[5173]} أبو علي : التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة ؛ فحذف المبتدأ والمضاف . والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون : إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ، فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ؛ فيعنون بالأب الوجود ، وبالروح الحياة ، وبالابن المسيح ، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين .
ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته ؛ وقالوا : قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر ، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية ، فيقال لهم : لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته ، وليس كذلك ، فإن اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به ، وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا ؛ لأنهم معارضون بموسى عليه السلام ، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام ، مثل قلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر واليد البيضاء والمن والسلوى ، وغير ذلك ، وكذلك ما جرى على يد الأنبياء ، فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه السلام ، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى ، فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن ، ويكذبون من أتى به ، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر . وقد قيل : إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى ، يصلون إلى القبلة ، ويصومون شهر رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له : بولس ، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ، ونحن مغبونون{[5174]} إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار ، وكان له فرس يقال لها : العقاب ، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى : أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ، فخرج وقال : نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله ، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال : لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله . وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له الملك{[5175]} فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له : أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني ، وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها ، فادع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا ، فجميع النصارى من الفرق الثلاث ، فهذا كان سبب شركهم فيما يقال ، والله أعلم . وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى : " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : 14 ] وسيأتي{[5176]} إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " انتهوا خيرا لكم " " خيرا " منصوب عند سيبويه بإضمار فعل ؛ كأنه قال : ائتوا خيرا لكم ؛ لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم . قال سيبويه : ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره " انتهوا خيرا لكم " لأنك إذا قلت : انته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في أخر ، وأنشد :
فواعديه سَرْحتي{[5177]} مالك *** أو الرُّبَا بينهما أسهلا
ومذهب أبي عبيدة : انتهوا يكن خيرا لكم . قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأنه يضمر الشرط وجوابه{[5178]} ، وهذا لا يوجد في كلام العرب . ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف ؛ قال علي بن سليمان : هذا خطأ فاحش ؛ لأنه يكون المعنى : انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم .
قوله تعالى : " إنما الله إله واحد " هذا ابتداء وخبر ؛ و " واحد " نعت له . ويجوز أن يكون " إله " بدلا من اسم الله عز وجل و " واحد " خبره ؛ التقدير إنما المعبود واحد . " سبحانه أن يكون له ولد " أي تنزيها{[5179]} عن أن يكون له ولد ، فلما سقط " عن " كان " أن " في محل النصب بنزع الخافض ، أي كيف يكون له ولد ؟ وولد الرجل مشبه له ، ولا شبيه لله عز وجل . " له ما في السماوات وما في الأرض " فلا شريك له ، وعيسى ومريم{[5180]} من جملة ما في السموات وما في الأرض ، وما فيهما مخلوق ، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق ! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له . " وكفى بالله وكيلا " أي لأوليائه ، وقد تقدم .
ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم ، وكان{[23934]} ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك ، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره ، وغلا في شأنه اليهود بخفضه ، والنصارى برفعه ؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه{[23935]} فقال : { يا أهل الكتاب } أي{[23936]} عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره ، فتجاوزوا بسببه حدود{[23937]} الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول { إلا الحق } أي الذي يطابقه الواقع ، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة ، فقد أغرق في الباطل ، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر{[23938]} المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك منافٍ للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل .
ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : { إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه{[23939]} الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضاً{[23940]} لأن يمسح الناس ويطهرهم . لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد{[23941]} يوصف به غيره بيّنه بقوله : { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله : { ابن مريم } أتصل بها اتصال{[23942]} الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة{[23943]} إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه لغير رشدة - كما كذب{[23944]} اليهود .
ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس{[23945]} الكلمة فقال : { وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كوناً خارقاً للعوائد { ألقاها } أي أوصلها على [ علو {[23946]} ] أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا { إلى مريم } وحصلها{[23947]} فيها وزاده {[23948]} تشريفاً بقوله : { وروح } أي عظيمة نفخها فيما تكّون{[23949]} في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو{[23950]} النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح{[23951]} إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد ، وأكمل شرفه بقوله : { منه } أي{[23952]} وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل{[23953]} : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن .
ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر .
ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم{[23954]} عن التلبس بالباطل فقال : { ولا تقولوا } أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي استمروا أيها{[23955]} اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا{[23956]} : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم{[23957]} إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه .
ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً{[23958]} في صيغة الأمر بقوله : { انتهوا } أي عن التثليث الذي نسبتموه{[23959]} إلى الله بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء { خيراً{[23960]} لكم } .
ولما نفى أن يكون هو الله{[23961]} ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال : { إنما الله } أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال : { إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه .
ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره ، فنزهه{[23962]} عما قالوه فقال : { سبحانه } أي تنزه {[23963]}وبعد بعداً{[23964]} عظيماً وعلا علواً كبيراً{[23965]} { أن } أي عن أن { يكون{[23966]} له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك يقتضي{[23967]} الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحداً ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له } أي لأنه إله واحد لا شريك له له{[23968]} { ما في السماوات } وأكد لأن المقام له فقال : { وما في الأرض } أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً{[23969]} ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما{[23970]} ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود .
ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما{[23971]} وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل {[23972]}بالحقيقة ليكفي{[23973]} من وكله كل{[23974]} ما يهمه ؛ كان{[23975]} كأنه قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في{[23976]} تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله : { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة { وكيلاً * } أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو{[23977]} إلى شيء ، وإلا لما كان كافياً .