( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ، وآتيناهم ملكا عظيما )
أم لعله حسد . . حسد رسول الله [ ص ] والمسلمين على ما آتاهم الله من فضله . . من هذا الدين الذي أنشأهم نشأة أخرى ووهب لهم ميلادا جديدا ، وجعل لهم وجودا إنسانيا متميزا ؛ ووهبهم النور والثقة والطمأنينة واليقين ؛ كما وهبهم النظافة والطهر ، مع العز والتمكين ؟
وإنه فعلا للحسد من يهود . مع تفويت أطماعها في السيادة الأدبية والاقتصادية على العرب الجاهلين المتفرقين المتخاصمين . . يوم أن لم يكن لهم دين . .
ولكن لماذا يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله من النبوة والتمكين في الأرض ؟ وهم غارقون في فضل الله من عهد إبراهيم . . الذي آتاه الله وآله الكتاب والحكمة - وهي النبوة - وآتاهم الملك كذلك والسيادة . وهم لم يرعوا الفضل ولم يحتفظوا بالنعمة ، ولم يصونوا العهد القديم ، بل كان منهم فريق من غير المؤمنين . ومن يؤت هذا الفضل كله لا يليق أن يكون منهم جاحدون كافرون !
( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما . فمنهم من آمن به ، ومنهم من صد عنه ) .
إنه لمن ألأم الحسد : أن يحسد ذو النعمة الموهوب ! لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة ! أما أن يحسد الواجد المغمور بالنعمة ، فهذا هو الشر الأصيل العميق ! شر يهود ! المتميز الفريد !
الأولى : قوله تعالى : " أم يحسدون " يعني اليهود . " الناس " يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . حسدوه على النبوة وأصحابه على الإيمان به . وقال قتادة : " الناس " العرب ، حسدتهم اليهود على النبوة . الضحاك : حسدت اليهود قريشا ؛ لأن النبوة فيهم . والحسد مذموم وصاحبه مغموم وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الحسن : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، نفس دائم ، وحزن لازم ، وعبرة لا تنفد . وقال عبدالله بن مسعود : لا تعادوا نعم الله . قيل له : ومن يعادي نعم الله ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ، يقول الله تعالى في بعض الكتب : الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي . ولمنصور الفقيه :
ألا قل لمن ظل لي حاسدا *** أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه *** إذا أنت لم ترض لي ما وهب
ويقال : الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء ، وأول ذنب عصي به في الأرض ؛ فأما في السماء فحسد إبليس لآدم ، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل . ولأبي العتاهية في الناس :
فيا رب إن الناس لا ينصفونني *** فكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدَّوْا لأخذه *** وإن شئت أبغي شيئهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم *** وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
وإن طرقتني نكبةٌ فكهوا بها *** وإن صحبتني نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحن إليهمو *** وأحجب عنهم ناظري وجفوني
وقيل : إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك . ولرجل من قريش :
حسدوا النعمة لما ظهرت *** فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة *** لم يضرها قول أعداء النعم
اصبر على حسد الحسو *** د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها *** إن لم تجد ما تأكله
وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى : " ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين{[4563]} " [ فصلت : 29 ] . إنه إنما أراد بالذي{[4564]} من الجن إبليس والذي من الإنس قابيل ، وذلك أن إبليس كان أول من سن الكفر ، وقابيل كان أول من سن القتل ، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد . وقال الشاعر :
إن الغراب وكان يمشي مشية *** فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مشيها *** فأصابه ضرب من التَّعْقَالِ
الثانية : قوله تعالى : " فقد آتينا " ثم أخبر تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيما . قال همام بن الحارث : أيدوا بالملائكة . وقيل : يعني ملك سليمان ، عن ابن عباس . وعنه أيضا : المعنى أم يحسدون محمدا على ما أحل الله له من النساء فيكون الملك العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك . واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء . والمراد تكذيب اليهود والرد عليهم في قولهم : لو كان نبيا ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوة عن ذلك ، فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان يوبخهم ، فأقرت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألف امرأة ؟ قالوا : نعم ثلاثمائة مهرية ، وسبعمائة سرية ، وعند داود مائة امرأة . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أو تسع نسوة ) ؟ فسكتوا . وكان له يومئذ تسع نسوة .
الثالثة : يقال : إن سليمان عليه السلام كان أكثر الأنبياء نساء . والفائدة في كثرة تزوجه أنه كان له قوة أربعين نبيا ، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحا . ويقال : إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة ؛ لأن لكل امرأة قبيلتين قبيلة من جهة الأب وقبيلة من جهة الأم ، فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عونا له على أعدائه . ويقال : إن كل من كان أتقى فشهوته أشد ؛ لأن الذي لا يكون تقيا فإنما يتفرج بالنظر والمس ، ألا ترى ما روى في الخبر : ( العينان تزنيان واليدان تزنيان ) . فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع ، والمتقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعا . وقال أبو بكر الوراق : كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب ؛ ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك .
{ أم } أي{[21684]} ليس لهم نصيب ما من الملك ، {[21685]}بل ذلهم لازم وصغارهم أبداً كائن دائم ، فهم{[21686]} { {[21687]}يحسدون الناس } أي{[21688]} محمداً صلى الله عليه وسلم الذي جمع فضائل الناس كلهم من{[21689]} الأولين والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله ، أو العرب{[21690]} الذي لا ناس الآن غيرهم ، لأنَّا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم{[21691]} ، ودل على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله : { على ما آتاهم الله } أي بما له من صفات الكمال { من فضله } حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى{[21692]} والبأس :
إن العرانين{[21693]} تلقاها محسدة *** ولن ترى{[21694]} للئام الناس حساداً
وقد آتاهم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الملك ، فإنه{[21695]} على ثلاثة أقسام : ملك على الظواهر والبواطن معاً ، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة{[21696]} والبر واللطف التي كل منها سبب للانقياد ، وذلك مع ما لهم بالله سبحانه وتعالى من تمام الوصلة ؛ وملك على الظواهر فقط ، وهو ملك الملوك ؛ وملك على البواطن فقط ، وهو ملك العلماء .
ولما ذمهم سبحانه وتعالى أولاً بالجهل ومدح النفس تشبعاً بما لم يعطوا ، وذلك سبب لجميع{[21697]} النقائص ، وثانياً بأعظم منه : منع الحق {[21698]}من أهله{[21699]} بخلاً ، وثالثاً بأعظم منهما : تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا تنقصهم ، فحازوا{[21700]} بذلك أعلى{[21701]} خلال الذم ، وكانت المساوي تضع والمحاسن ترفع ، تسبب عن هذا توقع السامع {[21702]}لإعلاء العرب{[21703]} وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال{[21704]} : { فقد } أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنَّا آتيناهم - هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في استحقاق الفضائل فقال : { آتينا } أي بما لنا من العظمة { آل إبراهيم } أي الذي{[21705]} أعلمناكم في كتابكم أنا أقسمنا له أنَّا نعز{[21706]} ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالاً{[21707]} على جميع حدود إخوته ، ويده في جميع الناس ويده{[21708]} على كل {[21709]}أحد ويد كل{[21710]} به { الكتاب } أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل { والحكمة } أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن{[21711]} بالعلم المحرر المحكم { وآتيناهم } مع ذلك { ملكاً عظيماً * } أي{[21712]} ضخماً واسعاً باقياً إلى أن تقوم الساعة { فمنهم } أي من آل إبراهيم { من آمن به } وهم أغلب العرب { ومنهم من صد عنه } أي أعرض بنفسه ، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب .