ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم ؛ أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام ؛ أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها ، يزعمون أن الله ذبحها ! فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم ، ولا يأكلون مما ذبح الله ؟ ! وهو تصور من تصورات الجاهلية التي لا حد لسخفها وتهافتها في جميع الجاهليات ! وهذا ما كانت الشياطين - من الإنس والجن - توسوس به لأوليائها ليجادلوا المسلمين فيه من أمر هذه الذبائح مما تشير إليه الآيات :
( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . . وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . . ) . .
وأمام هذا التقرير الأخير نقف ، لنتدبر هذا الحسم وهذه الصراحة في شأن الحاكمية والطاعة والاتباع في هذا الدين . .
إن النص القرآني لقاطع في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة الله ، ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية . . أن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام لله ، إلى الشرك بالله .
" وقوله تعالى : ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) . . أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه ، إلى قول غيره ، فقدمتم عليه غيره . . فهذا هو الشرك . . كقوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) . . الآية . وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال : يا رسول الله ما عبدوهم . فقال : " بلى ! إنهم أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم " .
كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )
الآية قوله : [ استنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً ) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ، وما حلله فهو الحلال ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ ] . .
فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير . . وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح - مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه ، ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك - أن من اطاع بشراً في شريعة من عند نفسه ، ولو في جزئية صغيرة ، فإنما هو مشرك . وإن كان في الأصل مسلماً ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام الى الشرك أيضاً . . مهما بقي بعد ذلك يقول : أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه . بينما هو يتلقى من غير الله ، ويطيع غير الله .
وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم - في ضوء هذه التقريرات الحاسمة - فإننا نرى الجاهلية والشرك - ولا شيء غير الجاهلية والشرك - إلا من عصم الله ، فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية ؛ ولم يقبل منها شرعاً ولا حكماً . . . إلا في حدود الإكراه . .
فأما الحكم الفقهي المستفاد من قوله تعالى : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) فيما يتعلق بحل الذبائح وحرمتها عند التسمية وعدم التسمية فقد لخصها ابن كثير في التفسير في هذه الفقرات قال :
" استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها ، وإن كان الذابح مسلماً " . .
" وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة اقوال :
" فمنهم من قال : لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة . وسواء متروك التسمية عمداً أو سهواً . وهو مروي عن ابن عمر ، ونافع مولاه ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن سيرين . وهو رواية عن الإمام مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل ، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين . وهو اختيار أبي ثور ، وداود الظاهري . واختار ذلك ابو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين ، واحتجوا لمذهبهم بهذه الآية ، وبقوله في آية الصيد : ( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ) . . ثم قد أكد ذلك بقوله : ( وإنه لفسق ) والضمير قيل : عائد على الأكل ، وقيل : عائد على الذبح لغير الله . وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد ، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك . وهما في الصحيحين . وحديث رافع بن خديج : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه . وهو في الصحيحين أيضاً . . .
" والمذهب الثاني في المسألة : أنه لا يشترط التسمية ، بل هي مستحبة ، فإن تركها عمداً أو نسياناً لا يضر . وهذا مذهب الإمام الشافعي ، رحمه الله ، وجميع أصحابه . ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل . وهو رواية عن الإمام مالك ، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه . وحكي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعطاء بن أبي رباح . والله أعلم . وحمل الشافعي الآية الكريمة : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق على ما ذبح لغير الله كقوله تعالى : ( أو فسقا أهل لغير الله به ) . وقال ابن جريج عن عطاء : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) . . قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان ، وينهى عن ذبائح المجوس . . وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي . . .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أنبأنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) قال : هي الميتة . وقد استدل لهذا المذهب بما رواهأبو داود في المراسيل من حديث ثور بن يزيد عن الصلت السدوسي مولى سويد بن ميمون أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات . قال : قال رسول الله [ ص ] : " ذبيحة المسلم حلال ، ذكر اسم الله أو لم يذكر . إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله " . . وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال : " إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل . فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله " .
" المذهب الثالث : إن ترك البسملة على الذبيحة نسياناً لم يضر ، وإن تركها عمدا لم تحل . . هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل ، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه . وإسحاق بن راهويه . وهو محكي عن علي ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاووس ، والحسن البصري ، وأبي مالك ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وجعفر بن محمد ، وربيعة بن ابي عبد الرحمن . . . "
" قال ابن جرير : وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء ، وهي محكمة فيما عينت به . وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم . وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قال الله : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ) وقال : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) فنسخ ، واستثنى من ذلك فقال : ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) وقال ابن أبي حاتم : قرأ علي العباس بن الوليد بن يزيد ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر - عن مكحول قال : أنزل الله في القرآن : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) . ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال : ( اليوم أحل لكم الطيبات ، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) فنسخها بذلك ، وأحل طعام أهل الكتاب . ثم قال ابن جرير : والصواب : أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب وبين تحريم مالم يذكر اسم الله عليه . . وهذا الذي قاله صحيح . ومن أطلق من السلف النسخ هنا ، فإنما أراد التخصيص ، والله سبحانه وتعالى أعلم " . . . انتهى .
الأولى - روى أبو داود قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله عز وجل : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " إلى آخر الآية . وروى النسائي عن ابن عباس في قوله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " قال : خاصمهم{[6680]} المشركون فقالوا : ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه ، فقال الله سبحانه لهم : لا تأكلوا ، فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها . وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي :
الثانية - أن اللفظ الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا ؟ فقال علماؤنا : لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صيغ ألفاظ العموم . أما ما ذكره جوابا لسؤال ففيه تفصيل ، على ما هو معروف في أصول الفقه ، إلا أنه إن أتى بلفظ مستقل دون السؤال لَحِقَ بالأول في صحة القصد إلى التعميم . فقول : " لا تأكلوا " ظاهر في تناول الميتة ، وتدخل فيه ما ذكر عليه غير اسم الله بعموم أنه لم يذكر عليه اسم الله ، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه الذي يقتضي تحريمه نصا بقول : " وما أهل به لغير الله " {[6681]} [ البقرة : 173 ] . وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عمدا عليه من الذبح ، وعند إرسال الصيد . اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة ، وهي [ المسألة ] :{[6682]}
الثالثة : القول{[6683]} الأول : إن تركها سهوا أكلا جميعا ، وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل . فإن تركها عمدا لم يؤكلا ، وقاله في الكتاب مالك وابن القاسم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ ، وقاله سعيد بن جبير وعطاء ، واختاره النحاس وقال : هذا أحسن ؛ لأنه لا يسمى فاسقا إذا كان ناسيا . الثاني : إن تركها عامدا أو ناسيا يأكلهما . وهو قول الشافعي والحسن ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة وأبي عياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النخعي وعبدالرحمن بن أبي ليلى وقتادة . وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال : تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا . وروي{[6684]} عن ربيعة أيضا . قال عبدالوهاب : التسمية سنة ، فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه .
الثالث : إن تركها عامدا أو ساهيا{[6685]} حرم أكلها ، قاله محمد بن سيرين وعبدالله بن عياش بن أبي ربيعة وعبدالله بن عمر ونافع وعبدالله بن زيد الخطمي والشعبي ، وبه قال أبو ثور وداود بن علي وأحمد في رواية .
الرابع : إن تركها عامدا كره أكلها ، قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علمائنا .
الخامس : قال أشهب : تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا إلا أن يكون مستخفا ، وقال نحوه الطبري . أدلة{[6686]} قال الله تعالى : " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " [ الأنعام : 118 ] وقال : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " فبين الحالين وأوضح الحكمين . فقول : " لا تأكلوا " نهي على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة ؛ لتناول في بعض مقتضياته الحرام المحض ، ولا يجوز أن يتبعض ، أي يراد به التحريم والكراهة معا ؛ وهذا من نفيس الأصول . وأما الناسي فلا خطاب توجه إليه إذ يستحيل خطابه ، فالشرط ليس بواجب عليه . وأما التارك للتسمية عمدا فلا يخلو من ثلاثة أحوال : إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول : قلبي مملوء من أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكرٍ بلساني ، فذلك يجزئه ؛ لأنه ذكر الله جل جلال وعظمه . أو يقول : إن هذا ليس بموضع تسمية صريحة ، إذ ليست بقربة ، فهذا أيضا يجزئه . أو يقول : لا أسمي ، وأي قدر للتسمية ، فهذا متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته . قال ابن العربي : وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين حيث قال : ذكر الله تعالى إنما شرع في القرب ، والذبح ليس بقربة . وهذا يعارض القرآن والسنة ، قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) . فإن قيل : المراد بذكر اسم الله بالقلب ؛ لأن الذكر يضاد النسيان ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب ، وقد روى البراء بن عازب : اسم الله على قلب كل مؤمن سمى أو لم يسم . قلنا : الذكر باللسان وبالقلب ، والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان ، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة ، واشتهر ذلك في الشريعة حتى قيل لمالك : هل يسمي الله تعالى إذا توضأ ؟ فقال : أيريد أن يذبح . وأما الحديث الذي تعلقوا به من قوله :( اسم الله على قلب كل مؤمن ) فحديث ضعيف . وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة ؛ لقوله عليه السلام لأناس سألوه ، قالوا : يا رسول الله ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري اذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سموا الله عليه وكلوا " . أخرجه الدارقطني عن عائشة ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه ، لم يختلف عليه في إرساله . وتأول بأن قال في آخره : وذلك في أول الإسلام . يريد قبل أن ينزل عليه " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " . قال أبو عمر : وهذا ضعيف ، وفي الحديث نفسه ما يرده ، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل ، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه . ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة ، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " نزل في سورة " الأنعام " بمكة . ومعنى " وإنه لفسق " أي لمعصية عن ابن عباس . والفسق : الخروج . وقد تقدم{[6687]} .
الرابعة - قوله تعالى : " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " أي يوسوسون فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل . روى أبو داود عن ابن عباس في قوله : " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه ، وما ذبحتم أنتم فكلوه ، فأنزل الله " ولا تأكلوا مما لو يذكر اسم الله عليه " قال عكرمة : عني بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس . وقال ابن عباس وعبدالله بن كثير : بل الشياطين الجن ، وكفرة الجن أولياء قريش . وروي عن عبدالله بن الزبير أنه قيل له : إن المختار يقول : يوحى إلي فقال : صدق ، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم . وقوله{[6688]} : " ليجادلوكم " . يريد قولهم{[6689]} : ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه . والمجادلة : دفع القول على طريق الحجة بالقوة ، مأخوذ من الأجدل ، طائر قوي . وقيل : هو مأخوذ من الجدالة ، وهي الأرض ، فكأنه يغلبه بالحجة يقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض . وقيل : هو مأخوذ من الجدل ، وهو شدة القتل ، فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها{[6690]} ، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل .
الخامسة - قوله تعالى : " وإن أطعتموهم " أي في تحليل الميتة " إنكم لمشركون " . فدلت الآية على أن من استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا . وقد حرم الله سبحانه الميتة نصا ، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك . قال ابن العربي : إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد ، فأما إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص ؛ فافهموه . وقد مضى في " المائدة " {[6691]} .
ولما{[30964]} أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذراً من أكل{[30965]} ما يعيش{[30966]} مرأى بصائرهم ، أتبعه نهيهم نهياً جازماً خاصاً عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم ، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف{[30967]} فقال { ولا تأكلوا مما لم يذكر } أي مما لا يقبل أن يذكر { اسم الله } أي الذي لا يؤخذ شيء{[30968]} إلا منه ، لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة ، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال : { عليه } أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى ، فصار مخبثاً{[30969]} للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه بما دل عليه من{[30970]} تسميته فسقاً ، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله و{[30971]} كذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراماً بغير ذلك ، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال ، فإن ذكر عليه كان ملاعباً فلم يطهره{[30972]} ، وأما ما كان حلالاً ولم يذكر عليه اسم الله و{[30973]} لا غيره{[30974]} فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : قالوا : يا رسول الله ! إن هنا أقواماً حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا ! قال : " اذكروا أنتم اسم الله وكلوا " قال البغوي : ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان{[30975]} الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى .
ولما كان التقدير : فإنه خبيث في نفسه مخبث ، عطف عليه قوله : { وإنه } أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب { لفسق } فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جداً في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره{[30976]} وانتشر من شره ، وهذا دليل على ما أولت{[30977]} به لأن النسيان ليس{[30978]} بسبب الفسق ، والذي تركت التسمية عليه نسياناً ليس بفسق ، والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري ، وإلى ذلك الإشارة{[30979]} بما رواه عن{[30980]} عائشة رضي الله عنها{[30981]} أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوماً يأتونّا باللحم ، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ! فقال :
" سموا عليه أنتم وكلوه " ، قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر{[30982]} - انتهى . فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته ، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل .
ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد ، قال محذراً منها : { وإن الشياطين{[30983]} } أي أخابث{[30984]} المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين{[30985]} للنشر المحترقين باللعنة{[30986]} من مردة{[30987]} الجن والإنس{[30988]} { ليوحون } أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة { إلى أوليائهم } أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم { ليجادلوكم } أي ليفتلوكم عما أمركم{[30989]} به بأن يقولوا لكم : ما قتله{[30990]} الله أحق بالأكل مما{[30991]} قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك ، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره ، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه ، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة ، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر ، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه ، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالاً أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها .
ولما كان التقدير : فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى ، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك ، عطف على هذا قوله : { وإن أطعتموهم } أي المشركين تديناً بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه ، أو في شيء مما جادلوكم فيه { إنكم لمشركون * } أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على{[30992]} ذبائحكم على وجه العبادة ، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه{[30993]} بالله كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله{[30994]} }[ التوبة : 31 ] من أن عبادتهم لهم{[30995]} تحليلهم{[30996]} ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا ، فنبه صلى الله عليه وسلم بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني ؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة : حكي في الشامل{[30997]} وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل ؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج{[30998]} أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو{[30999]} للصليب حرمت ذبيحته ، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يقال : تحرم ، لأنه ذبح لغير الله تعالى ، قال : وخرّج أبو الحسن وجهاً آخر أنها{[31000]} تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعتقده النصراني في عيسى عليه السلام .
قال : وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً ، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله ، واعلم أن الذبح للمعبود{[31001]} باسمه نازل منزلة السجود له . وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم ، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة ، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل{[31002]} ذبيحته ، وكان فعله كفراً كمن سجد لغيره سجدة عبادة ، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه ، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيماً لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة ، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل : أهديت للحرم أو للكعبة ، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان ، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود ، ومثل هذا لا يوجب الكفر ، وكذا السجود لغير الله تذللاً وخضوعاً ، فعلى هذا إذا قال الذابح{[31003]} : بسم الله واسم محمد ، وأراد : أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد ، فينبغي أن لا يحرم ، وقول من قال : لا يجوز ذلك ، يمكن أن يحمل على أن اللفظ مكروه ، لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه ، وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة بين أهل قزوين أفضت إلى فتنة في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر بذلك ! قال : والصواب ما بينا ؛ قال الشيخ محيي الدين : ومما يؤيد ما قاله - أي الرافعي - ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي في تعليقه : قال : حكى صاحب التقريب عن الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا سمى غير الله كالمسيح لم تحل ذبيحته ، قال صاحب التقريب : معناه أن يذبحها له . فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز ، قال : و{[31004]} قال الحليمي : تحل مطلقاً وإن سمى المسيح - والله أعلم ، ثم قال في المسائل المنثورة{[31005]} : الثالثة : قال ابن كج : من ذبح شاة وقال : أذبح لرضى فلان ، حلت الذبيحة ، لأنه لا ينصرف إليه بخلاف من تقرب{[31006]} بالذبح إلى الصنم ؛ وقال الروياني : إن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال ، وإن قصد الذبح لهم فحرام ؛ ومما يوضح لك سر هذا الانتظام ويزيده حسناً أن هذه الآيات كلها من قوله تعالى
إن الله فالق الحب والنوى }[ الأنعام : 100 ] إلى آخر السورة تفصيل لقوله{[31007]} تعالى في أول السورة { قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض }[ الأنعام : 14 ] ، فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله{ إن الله فالق الحب والنوى }[ الأنعام : 95 ] ونحوه ، وأنكر اتخاذ من دونه بقوله { وجعلوا لله شركاء الجن }[ الأنعام : 100 ] وما نحا نحوه ، قال{ فكلوا }[ الأنعام : 118 ] إشارة إلى { وهو يطعم ولا يطعم }[ الأنعام : 14 ] وقوله { أو من كان ميتاً فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] وقوله { فمن يرد الله أن يهديه }[ الأنعام : 125 ] ونحوهما إشارة إلى قوله{ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم }[ الأنعام : 14 ] ، وقوله{ ويوم نحشرهم جميعاً }[ الأنعام : 22 ] ونحوه مشير{[31008]} إلى{ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم }[ الأنعام : 15 ] .
ولما انقضى{[31009]} التفصيل عند قوله { فسوف يعلمون } شرع في تفصيلها ثانياً بقوله :{ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً }[ الأنعام : 136 ] إلى آخرها ، والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو نفي ، وأقيمت الدلائل على إثبات ما ثبت منه{[31010]} ونفي ما نفي ، ثم أعيد ذلك في أسلوب آخر ، كان أثبت في النفس وألصق{[31011]} بالقلب ، لا سيما إن كان في الأسلوب الثاني - كما هي عادة القرآن - زيادة في البيان وتنبيه على ما لم يتقدم أولاً ، ولا سيما إن كانت العبارة فائقة والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن هذا كله دأب القرآن في أساليب الافتنان ؛ قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام : وقوله ثانياً { الرحمن الرحيم } إشارة إلى الصفة مرة أخرى ، ولا تظن{[31012]} أنه مكرر ، فلا مكرر{[31013]} في القرآن ، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة ، وذكر الرحمة بعد ذكر { العالمين }{[31014]} ، وقبل ذكر { العالمين{[31015]} } ، وقبل ذكر { مالك يوم الدين } ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر{[31016]} ما حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق{[31017]} كل عالم{[31018]} من العالمين على أكمل أنواعه وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه ، والثانية ملتفت إلى ما بعده بالإشارة إلى الرحمة في{[31019]} المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد ، قال : وشرح ذلك يطول والمقصود أنه لا{[31020]} مكرر في القرآن ، وإن رأيت شيئاً{[31021]} مكرراً من حيث الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة{[31022]} في إعادته - انتهى . وفي ذلك نكتة أخرى ، وهي أن الرحمن مشير{[31023]} إلى ما قال من جهة{[31024]} الربوبية في الإيجادين : الأول والثاني ، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية{[31025]} وإلى ما يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة .