في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

ثم نرقي إلى أفق آخر من آفاق الإعجاز في التصوير والأداء والتنسيق . فلقد كنا منذ لحظة مع الجبارين المعاندين . ولقد خاب كل جبار عنيد . وكانت صورته في جهنم تخايل له من ورائه وهو بعد في الدنيا . فالآن نجدهم هناك ، حيث يتابع السياق خطواته بالرواية الكبرى - رواية البشرية ورسلها - في المشهد الأخير . وهو مشهد من أعجب مشاهد القيامة وأحفلها بالحركة والانفعال والحوار بين الضعفاء والمستكبرين . وبين الشيطان والجميع :

( وبرزوا لله جميعا - فقال الضعفاء للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ؟ قالوا ؛ لو هدانا الله لهديناكم . سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص . وقال الشيطان لما قضي الأمر : إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ؛ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . إني كفرت بما أشركتمون من قبل . إن الظالمين لهم عذاب أليم . )

( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها بإذن ربهم ، تحيتهم فيها سلام ) .

لقد انتقلت الرواية . . رواية الدعوة والدعاة ، والمكذبين والطغاة . . انتقلت من مسرح الدنيا إلى مسرح الآخرة :

( وبرزوا لله جميعا ) . .

الطغاة المكذبون وأتباعهم من الضعفاء المستذلين . ومعهم الشيطان . . ثم الذين آمنوا بالرسل وعملوا الصالحات . . برزوا( جميعا )مكشوفين . وهم مكشوفون لله دائما . ولكنهم الساعة يعلمون ويحسون أنهم مكشوفون لا يحجبهم حجاب ، ولا يسترهم ساتر ، ولا يقيهم واق . . برزوا وامتلأت الساحة ورفع الستار ، وبدأ الحوار :

( فقال الضعفاء للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ؟ ) . .

والضعفاء هم الضعفاء . هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه ؛ وجعلوا أنفسهم تبعا للمستكبرين والطغاة . ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله . والضعف ليس عذرا ، بل هو الجريمة ؛ فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفا ، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله . وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعا عن نصيبه في الحرية - التي هي ميزته ومناط تكريمه - أو أن ينزل كارها . والقوة المادية - كائنة ما كانت - لا تملك أن تستعبد إنسانا يريد الحرية ، ويستمسك بكرامته الآدمية . فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد ، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه . اما الضمير . أما الروح . أما العقل . فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها ، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال !

من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة ، وفي التفكير ، وفي السلوك ؟ من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله ، والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه ؟ لا أحد . لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة . فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة ، ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مقاما . . كلا ، إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء . . إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان !

إن المستضعفين كثرة ، والطواغيت قلة . فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة ؟ وماذا الذي يخضعها ؟ إنما يخضعها ضعف الروح ، وسقوط الهمة ، وقلة النخوة ، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان !

إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير . فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت . فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان !

إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء . . وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة ! !

والأذلاء هنا على مسرح الآخرة في ضعفهم وتبعيتهم للذين استكبروا يسألونهم :

( إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء )? . .

وقد اتبعناكم فانتهينا إلى هذا المصير الأليم ؟ !

أم لعلهم وقد رأوا العذاب يهمون بتأنيب المستكبرين على قيادتهم لهم هذه القيادة ، وتعريضهم إياهم للعذاب ؟ إن السياق يحكي قولهم وعليه طابع الذلة على كل حال !

ويرد الذين استكبروا على ذلك السؤال :

( قالوا : لو هدانا الله لهديناكم ! سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ! ) . .

وهو رد يبدو فيه البرم والضيق :

( لو هدانا الله لهديناكم ) . .

فعلام تلوموننا ونحن وإياكم في طريق واحد إلى مصير واحد ؟ إننا لم نهتد ونضللكم . ولو هدانا الله لقدناكمإلى الهدى معنا ، كما قدناكم حين ضللنا إلى الضلال ! وهم ينسبون هداهم وضلالهم إلى الله . فيعترفون الساعة بقدرته وكانوا من قبل ينكرونه وينكرونها ، ويستطيلون على الضعفاء استطالة من لا يحسب حسابا لقدرة القاهر الجبار . وهم إنما يتهربون من تبعة الضلال والإضلال برجع الأمر لله . . والله لا يأمر بالضلال كما قال سبحانه : إن الله لا يأمر بالفحشاء . . ثم هم يؤنبون الضعفاء من طرف خفي ، فيعلنونهم بأن لاجدوى من الجزع كما أنه لا فائدة من الصبر . فقد حق العذاب ، ولا راد له من صبر أو جزع ، وفات الأوان الذي كان الجزع فيه من العذاب يجدي فيرد الضالين إلى الهدى ؛ وكان الصبر فيه على الشدة يجدي فتدركهم رحمة الله . لقد انتهى كل شيء ، ولم يعد هنالك مفر ولا محيص :

( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) !

/خ27

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

قوله تعالى : " وبرزوا لله جميعا " أي برزوا من قبورهم ، يعني يوم القيامة . والبروز الظهور . والبراز المكان الواسع لظهوره ، ومنه امرأة برزة أي تظهر{[9487]} للناس ، فمعنى ، " برزوا " ظهروا من قبورهم . وجاء بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، واتصل هذا بقوله : " وخاب كل جبار عنيد " أي وقاربوا لما استفتحوا فأهلكوا ، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعا لا يسترهم عنه ساتر . " لله " لأجل أمر الله إياهم بالبروز . " فقال الضعفاء " يعني الأتباع " للذين استكبروا " وهم القادة . " إنا كنا لكم تبعا " يجوز أن يكون تبع مصدرا ، التقدير : ذوي تبع . ويجوز أن يكون تابع ، مثل حارس وحرس ، وخادم وخدم ، وراصد ورصد ، وباقر وبقر{[9488]} . " فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء " أي دافعون " عنا من عذاب الله من شيء " أي شيئا ، و " من " صلة ، يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع . " قالوا لو هدانا الله لهديناكم " أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه . وقيل : لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها . وقيل : لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه . " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " " سواء علينا " هذا ابتداء خبره " أجزعنا " أي : " سواء علينا " أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " أي من مهرب وملجأ . ويجوز أن يكون بمعنى المصدر ، وبمعنى الاسم ، يقال : حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا وحَيَصَانًا ، والمعنى : ما لنا وجه نتباعد به عن النار . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول أهل النار إذا أشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " ) . وقال محمد بن كعب القرظي : ذكر لما أن أهل النار يقول بعضهم لبعض : يا هؤلاء ! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا ، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا ، فطال صبرهم فجزعوا ، فنادوا : " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " أي منجي ، فقام إبليس عند ذلك فقال : " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم " يقول : لست بمغن عنكم شيئا " وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل " الحديث بطوله ، وقد كتبناه في كتاب { التذكرة } بكماله .


[9487]:قال في المصباح: امرأة برزة عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم وهي المرأة التي أسنت وخرجت عن حد المحجوبات. 1 هـ. وامرأة برزة وبارزة المحاسن. قال الراغب: لأن رفعتها بالعفة لا إن اللفظة اقتضت ذلك.
[9488]:بقر: شق ووسع.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

{ وبرزوا لله } أي : ظهروا ومعنى الظهور هنا خروجهم من القبور ، وقيل : معناه صاروا بالبراز ، وهي الأرض المتسعة .

{ تبعا } جمع تابع أو مصدر وصف به مبالغة ، أو على حذف مضاف .

{ من عذاب الله من شيء } : { من } الأولى : للبيان ، والثانية : للتبعيض ، ويجوز أن يكونا للتبعيض معا قاله الزمخشري ، والأظهر أن الأولى : للبيان ، والثانية : زائدة والمعنى : هل أنتم دافعون أو متحملون عنا شيئا من عذاب الله .

{ محيص } أي : مهرب حيث وقع ، ويحتمل أن يكون مصدرا أو اسم مكان .