في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ} (12)

ذلك إلى ما أوحى الله به إلى الملائكة من تثبيت الذين آمنوا ؛ وإلى ما وعد به من إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ؛ وإلى ما أمر به الملائكة من الاشتراك الفعلي في المعركة :

( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ، فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق ، واضربوا منهم كل بنان ) . .

إنه الأمر الهائل . . إنها معية الله سبحانه للملائكة في المعركة ؛ واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة . . هذا هو الأمر الذي لا يجوز أن يشغلنا عنه أن نبحث : كيف اشتركت الملائكة ? ولاكم قتيلاً قتلت ? ولا كيف قتلت ? . . . إن الحقيقة الكبيرة الهائلة في الموقف هي تلك الحقيقة . . إن حركة العصبة المسلمة في الأرض بهذا الدين أمر هائل عظيم . . أمر يستحق معية الله لملائكته في المعركة ، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة !

إننا نؤمن بوجود خلق من خلق الله اسمهم الملائكة ؛ ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم . فلا نملك من إدراك الكيفية التي اشتركوا بها في نصر المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآني . . وقد أوحى إليهم ربهم : أني معكم . وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ، ففعلوا - لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندري كيف فعلوا . وأمرهم أن يضربوا فوق أعناق المشركين وأن يضربوا منهم كلبنان . ففعلوا كذلك بكيفية لا نعلمها ، فهذا فرع عن طبيعة إدراكنا نحن لطبيعة الملائكة ، ونحن لا نعلم عنها إلا ما علمنا الله . . ولقد وعد الله سبحانه أن يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا . فكان ذلك ، ووعده الحق ، ولكنا كذلك لا نعلم كيف كان . فالله هو الذي خلق ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو يحول بين المرء وقلبه ؛ وهو أقرب إليه من حبل الوريد . .

إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة . وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة . . ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة ، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين ، وتسلط الترف العقلي على النفوس والعقول . . وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله سبحانه للملائكة في المعركة ، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة ، لهي أنفع وأجدى .

وفي نهاية هذا الاستعراض ، وفي أعقاب المشهد الهائل الذي تتجلى فيه تلك الحقيقة الهائلة ، يجيء التقرير الموضح لما وراء المعركة كلها . ووراء النصر فيها والهزيمة ، من قاعدة ودستور لمجرى هذه الأمور :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ} (12)

قوله تعالى : " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم " العامل في " إذ ، يثبت " أي يثبت به الأقدام ذلك الوقت . وقيل : العامل " ليربط " أي وليربط إذ يوحي . وقد يكون التقدير : اذكر " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم " في موضع نصب ، والمعنى : بأني معكم ، أي بالنصر والمعونة . " معكم " بفتح العين ظرف ، ومن أسكنها فهي عنده حرف . " فثبتوا الذين آمنوا " أي بشروهم بالنصر أو القتال معهم أو الحضور معهم من غير قتال ، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول : سيروا فإن الله ناصركم . ويظن المسلمون أنه منهم ، وقد تقدم في " آل عمران{[7622]} " أن الملائكة قاتلت ذلك اليوم . فكانوا يرون رؤوسا تندر{[7623]} عن الأعناق من غير ضارب يرونه . وسمع بعضهم قائلا يسمع قوله ولا يرى شخصه : أقدم حيزوم{[7624]} . وقيل : كان هذا التثبيت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين نزول الملائكة مددا .

قوله تعالى : " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " تقدم في آل عمران بيانه . " فاضربوا فوق الأعناق " هذا أمر للملائكة . وقيل : للمؤمنين ، أي اضربوا الأعناق ، و " فوق " زائدة ، قاله الأخفش والضحاك وعطية . وقد روى المسعودي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله وإنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق ) . وقال محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأن " فوق " تفيد معنى فلا يجوز زيادتها ، ولكن المعنى أنهم أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها . وقال ابن عباس : كل هام وجمجمة . وقيل : أي ما فوق الأعناق ، وهو الرؤوس ، قاله عكرمة . والضرب على الرأس أبلغ ؛ لأن أدنى شيء يؤثر في الدماغ . وقد مضى شيء من هذا المعنى في " النساء " وأن " فوق " ليست بزائدة ، عند قوله : " فوق اثنتين{[7625]} " . " واضربوا منهم كل بنان " قال الزجاج : واحد البنان بنانة ، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء . والبنان مشتق من قولهم : أبن الرجل بالمكان إذا أقام به . فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة . وقيل : المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين . وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع الضرب ، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء . قال عنترة :

وكان فتى الهيجاء يحْمِي ذمارها *** ويضربُ عند الكرْب كل بَنَان

ومما جاء أن البنان الأصابع قول عنترة أيضا :

وأن الموت طوعُ يدي إذا ما *** وصلت بنانَها بالهِنْدُوانِي

وهو كثير في أشعار العرب ، البنان : الأصابع . قال ابن فارس : البنان الأصابع ، ويقال : الأطراف . وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها يستقر الإنسان ويبن{[7626]} . وقال الضحاك : البنان كل مفصل .


[7622]:راجع ج 4 ص 190 ص 232.
[7623]:ندر: سقط.
[7624]:حيزوم: ا فرس من خيل الملائكة.
[7625]:راجع ج 5 ص 63
[7626]:بن بالمكان: أقام.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ} (12)

{ إذ يوحى } يحتمل أن يكون ذلك بدلا من إذ المتقدمة كما أنها بدل من التي قبلها ، أو يكون العامل فيه يثبت .

{ فثبتوا الذين آمنوا } يحتمل أن يكون التثبيت بقتال الملائكة مع المؤمنين أو بأقوال مؤنسة مقوية للقلب قالوها إذا تصوروا بصور بني آدم أو بإلقاء الأمن في نفوس المؤمنين .

{ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر تكميلا لتثبيت المؤمنين ، أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل .

{ فاضربوا فوق الأعناق } يحتمل أيضا أن يكون خطابا بالملائكة أو للمؤمنين ، ومعنى فوق الأعناق أي : على الأعناق ، حيث المفصل بين الرأس والعنق لأنه مذبح ، والضرب فيها يطير الرأس ، وقيل : المراد الرؤوس ، لأنها فوق الأعناق ، وقيل : المراد الأعناق و{ فوق } زائدة .

{ كل بنان } قيل : هي المفاصل ، وقيل : الأصابع وهو الأشهر في اللغة ، وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره وقتله .