( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي . يعظكم لعلكم تذكرون . وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، إن الله يعلم ما تفعلون . ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ، إنما يبلوكم الله به ، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون . ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ، ولتسألن عما كنتم تعملون ) . .
لقد جاء هذا الكتاب لينشيء أمة وينظم مجتمعا ، ثم لينشيء عالما ويقيم نظاما . جاء داء دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس ؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية .
ومن ثم جاء بالمباديء التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات ، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب ، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود .
جاء ( بالعدل ) الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل ، لا تميل مع الهوى ، ولا تتأثر بالود والبغض ، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب ، والغني والفقير ، والقوة والضعف . إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع ، وتزن بميزان واحد للجميع .
وإلى جوار العدل . . ( الإحسان ) . . يلطف من حدة العمل الصارم الجازم ، ويدع الباب مفتوحا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارا لود القلوب ، وشفاء لغل الصدور . ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه ليداوي جرحا أو يكسب فضلا .
والإحسان أوسع مدلولا ، فكل عمل طيب إحسان ، والأمر بالإحسان يشمل كل عمل وكل تعامل ، فيشمل محيط الحياة كلها في علاقات العبد بربه ، وعلاقاته بأسرته ، وعلاقاته بالجماعة ، وعلاقاته بالبشرية جميعا .
ومن الإحسان ( إيتاء ذي القربى ) إنما يبرز الأمر به تعظيما لشأنه ، وتوكيدا عليه . وما يبني هذا على عصبية الأسرة ، إنما يبنيه على مبدأ التكافل الذي يتدرج به الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العام . وفق نظريته التنظيمية لهذا التكافل .
( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) . . والفحشاء كل أمر يفحش أي يتجاوز الحد . ومنه ما خصص به غالبا وهو فاحشة الاعتداء على العرض ، لأنه فعل فاحش فيه اعتداء وفيه تجاوز للحد حتى ليدل على الفحشاء ويختص بها . والمنكر كل فعل تنكره الفطرة ومن ثم تنكره الشريعة فهي شريعة الفطرة . وقد تنحرف الفطرة أحيانا فتبقى الشريعة ثابتة تشير إلى أصل الفطرة قبل انحرافها . والبغي الظلم وتجاوز الحق والعدل .
وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي . ما من مجتمع تشيع فيه الفاحشة بكل مدلولاتها ، والمنكر بكل مغرراته ، والبغي بكل معقباته ، ثم يقوم . .
والفطرة البشرية تنتفض بعد فترة معينة ضد هذه العوامل الهدامة ، مهما تبلغ قوتها ، ومهما يستخدم الطغاة من الوسائل لحمايتها . وتاريخ البشرية كله انتفاضات وانتفاضات ضد الفحشاء والمنكر والبغي . فلا يهم أن تقوم عهود وأن تقوم دول عليها حينا من الدهر ، فالانتفاض عليها دليل على أنها عناصر غريبة على جسم الحياة ، فهي تنتفض لطردها ، كما ينتفض الحي ضد أي جسم غريب يدخل إليه . وأمر الله بالعدل والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي يوافق الفطرة السليمة الصحيحة ، ويقويها ويدفعها للمقاومة باسم الله . لذلك يجيء التعقيب : ( يعظكم لعلكم تذكرون ) فهي عظة للتذكر وتذكر وحي الفطرة الأصيل القويم .
الأولى : قوله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال : يا آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ، فو الله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق . وفي حديث - إن أبا طالب لما قيل له : إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية ، قال : اتبعوا ابن أخي ، فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق . وقال عكرمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " إلى آخرها ، فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر ، وذكر الغزنوي : أن عثمان بن مظعون هو القارئ . قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده ، فاستقر الإيمان في قلبي ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة . . . وذكر تمام الخبر . وقال ابن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ، ولشر يجتنب . وحكى النقاش قال : يقال : زكاة العدل : الإحسان ، وزكاة القدرة : العفو ، وزكاة الغنى : المعروف ، وزكاة الجاه : كَتْبُ الرجل إلى إخوانه .
الثانية : اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان ، فقال ابن عباس : العدل : لا إله إلا الله ، والإحسان : أداء الفرائض . وقيل : العدل : الفرض ، والإحسان : النافلة . وقال سفيان بن عيينة : العدل ها هنا : استواء السريرة ، والإحسان : أن تكون السريرة أفضل من العلانية . علي بن أبي طالب : العدل : الإنصاف ، والإحسان : التفضل . قال ابن عطية : العدل : هو كل مفروض ، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات ، وترك الظلم والإنصاف ، وإعطاء الحق . والإحسان : هو فعل كل مندوب إليه ، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ، ومنها ما هو فرض ، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل ، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان . وأما قول ابن عباس ففيه نظر ؛ لأن أداء الفرائض : هي الإسلام ، حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل ، وذلك هو العدل ، وإنما الإحسان : التكميلات ، والمندوب إليه ، حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . فإن صح هذا عن ابن عباس ، فإنما أراد الفرائض مكملة . وقال ابن العربي : العدل بين العبد وبين ربه : إيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر . وأما العدل بينه وبين نفسه : فمنعها مما فيه هلاكها ، قال الله تعالى : " ونهى النفس عن الهوى{[10029]} " [ النازعات : 40 ] وعزوب{[10030]} الأطماع عن الأتباع ، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى . وأما العدل بينه وبين الخلق : فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل وكثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن ، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى ، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى .
قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل ، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان ، مصدر أحسن يحسن إحسانا . ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أي : حسنته وكلمته ، وهو منقول بالهمزة ، من حسن الشيء . وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أي : أوصلت إليه ما ينتفع به . قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا ؛ فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض ، حتى أن الطائر في سجنك ، والسنور في دارك ، لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك ، وهو تعالى غني عن إحسانهم ، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن . وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني ؛ فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ، ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة ، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله ، حالة الشروع وحالة الاستمرار . وهو المراد بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه . ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . وثانيهما : لا تنتهي إلى هذا ، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : " الذي يراك حين تقوم . وتقلبك في الساجدين{[10031]} " [ الشعراء : 218 - 219 ] وقوله : " إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه{[10032]} " [ يونس : 61 ] .
الثالثة : قوله تعالى : " وإيتاء ذي القربى " ، أي : القرابة ، يقول : يعطيهم المال كما قال : " وآت ذا القربى حقه{[10033]} " [ الإسراء : 26 ] ، يعني : صلته . وهذا من باب عطف المندوب على الواجب ، وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب ، على ما يأتي بيانه . وإنما خص ذا القربى ؛ لأن حقوقهم أوكد ، وصلتهم أوجب ؛ لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه ، وجعل صلتها من صلته ، فقال في الصحيح : ( أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ){[10034]} . ولا سيما إذا كانوا فقراء .
الرابعة : قوله تعالى : " وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " ، الفحشاء : الفحش ، وهو كل قبيح من قول أو فعل . ابن عباس : هو الزنى . والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . وقيل : هو الشرك . والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي ، وحقيقته تجاوز الحد ، وهو داخل تحت المنكر ، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ذنب أسرع عقوبة من بغيٍ ) . وقال عليه السلام : ( الباغي مصروع ) . وقد وعد الله من بُغي عليه بالنصر . وفي بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل ، لجعل الباغي منهما دكا . .
الخامسة : ترجم الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : ( باب قول الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " وقوله : " إنما بغيكم على أنفسكم{[10035]} " [ يونس : 23 ] ، " ثم بغي عليه لينصرنه الله{[10036]} " ، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ) ، ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ، كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام : ( أما الله فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ) . ووجه ذلك - والله أعلم - : أنه تأول في قول الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، الندب بالإحسان إلى المسيء ، وترك معاقبته على إساءته . فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي ؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله : " إنما بغيكم على أنفسكم " ، وضمن تعالى نصرة من بغي عليه ، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ، ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه ، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره ، وقد كان له الانتقام منه بقوله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به{[10037]} " [ النحل : 126 ] . ولكن آثر الصفح أخذا بقوله : " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور{[10038]} " [ الشورى : 43 ] .
السادسة : تضمنت هذه الآية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد تقدم القول فيهما{[10039]} . روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي ، فحاجها العامل وغلبها ، بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ، ولا جوره في شيء ، فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإنه عدل ولم يحسن . قال : فعجب أبو جعفر من إصابته ، وعزل العامل .