فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة ؛ ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة . فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء ؛ وليذهب بنفسه كل مذهب ، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء :
( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ، فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع ، فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ) !
وهو مشهد متحرك لغيظ النفس ، وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ ، يجسم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه ، عندما ينزل بها الضر وهي على غير اتصال بالله .
والذي ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة ، وكل نسمة رخية ، وكل رجاء في الفرج ، ويستبد به الضيق ، ويثقل على صدره الكرب ، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء .
فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق . ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق . . ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذاك مما يغيظه !
ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله . ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله . ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر ، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله . وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ، ومضاعفة الشعور به ، والعجز عن دفعه بغير عون الله . . فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله . . .
قوله تعالى : " من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء " قال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه . " فليمدد بسبب إلى السماء " أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء . " ثم ليقطع " أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له " فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ " وحيلته ما يغيظه من نصر النبي صلى الله عليه وسلم . والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر . وكذا قال ابن عباس : إن الكناية في " ينصره الله " ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه ، لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم ، أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صلى الله عليه وسلم ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا ) . وعن ابن عباس أيضا ( أن الهاء تعود على " من " والمعنى : من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق ، فليقتل نفسه ؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله ) . والنصر على هذا القول الرزق ، تقول العرب : من ينصرني نصره الله ، أي من أعطاني أعطاه الله . ومن ذلك قول العرب : أرض منصورة ، أي ممطورة . قال الفقعسي :{[11443]}
وإنك لا تعطي امرأً فوق حقه *** ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره
وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : " من كان يظن أن لن ينصره الله " أي لن يرزقه . وهو قول أبي عبيدة . وقيل : إن الهاء تعود على الدين ، والمعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله دينه . " فليمدد بسبب " أي بحبل . والسبب ما يتوصل به إلى الشيء . " إلى السماء " إلى سقف البيت . ابن زيد : هي السماء المعروفة . وقرأ الكوفيون " ثم ليقطع " بإسكان اللام . قال النحاس : وهذا بعيد في العربية ؛ لأن " ثم " ليست مثل الواو والفاء ؛ لأنها يوقف عليها وتنفرد . وفي قراءة عبد الله " فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظه " . قيل : " ما " بمعنى الذي ، أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه ، فحذف الهاء ليكون أخف . وقيل : " ما " بمعنى المصدر ، أي هل يذهبن كيده غيظه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.