في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

ويمضي السياق إلى نموذج آخر من الناس - إن كان يواجه الدعوة يومذاك فهو نموذج مكرور في كل جيل - ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة ؛ ويظنها صفقة في سوق التجارة :

( ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة . ذلك هو الخسران المبين . يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه . ذلك هو الضلال البعيد . يدعو لمن ضره أقرب من نفعه . لبئس المولى ولبئس العشير ) . .

إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن ، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة ونتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع ؛ وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول .

هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن . ومن ثم يجب أن يستوي عليها ، متمكنا منها ، واثقا بها ، لا يتلجلج فيها ، ولا ينتظر عليها جزاء ، فهي في ذاتها جزاء . ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه ، والسند الذي يستند عليه . أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور ، وطلبه للهدى . ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها ، ويطمئن بها . هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله ، تتجاذبهم الرياح ، وتتقاذفهم الزوابع ، ويستبد بهم القلق . بينما هو بعقيدته مطمئن القلب ، ثابت القدم ، هادى ء البال ، موصول بالله ، مطمئن بهذا الاتصال .

أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة : ( فإن أصابه خير اطمأن به )وقال : إن الإيمان خير . فها هو ذا يجلب النفع ، ويدر الضرع ، وينمي الزرع ، ويربح التجارة ، ويكفل الرواج ( وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ) . . خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه ، ولم يتماسك له ، ولم يرجع إلى الله فيه . وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه ، وانكفائه عن عقيدته ، وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسرا له .

والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله ( على حرف )غير متمكن من العقيدة ، ولا متثبت في العبادة . يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى . ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة ، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب !

إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة ، ولكنه لا يصلح للعقيدة . فالعقيدة حق يعتنق لذاته ، بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقى . والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها ، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى ، فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها .

والمؤمن يعبد ربه شكرا له على هدايته إليه ، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به . فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من الله ومنة . استحقاقا على الإيمان أو العبادة !

والمؤمن لا يجرب إلهه . فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له ، مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء . وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار ، إنما هي إسلام المخلوق للخالق ، صاحب الأمر فيه ، ومصدر وجوده من الأساس .

والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب : ( ذلك هو الخسران المبين ) . . يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى . إلى جوار خسارة المال أو الولد ، أو الصحة ، او أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده ، ويبتلي بها ثقتهم فيه ، وصبرهم على بلائه ، وإخلاصهم أنفسهم له ، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره . . ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان . فيا له من خسران !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (11)

قوله تعالى : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " " من " في موضع رفع بالابتداء ، والتمام " انقلب على وجهه " على قراءة الجمهور " خسر " . وهذه الآية خبر عن المنافقين . قال ابن عباس : يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة . وقال أبو سعيد الخدري : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله ، فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني ! فقال : ( إن الإسلام لا يقال ) فقال : إني لم أصب في ديني هذا خيرا ! ذهب بصري ومالي وولدي ! فقال : ( يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب ) ، فأنزل الله تعالى : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " . وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( " ومن الناس من يعبد الله على حرف " قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله ، قال : هذا دين سوء ) . وقال المفسرون : نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ، فإن نالوا رخاء أقاموا ، وإن نالتهم شدة ارتدوا . وقيل نزلت في النضر بن الحارث . وقال ابن زيد وغيره : نزلت في المنافقين . ومعنى " على حرف " على شك ، قاله مجاهد وغيره . وحقيقته أنه على ضعف في عبادته ، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه . وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ، ومنه حرف الجبل ، وهو أعلاه المحدد . وقيل : " على حرف " أي على وجه واحد ، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء ، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف . وقيل : " على حرف " على شرط ؛ وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره : ادع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا وخيلا وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك ، فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنى ، ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره ، وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : " ومن الناس من يعبد الله على حرف " يريد شرط . وقال الحسن : هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه . وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته ، وبين هذا بقوله : " فإن أصابه خير " صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه . " وإن أصابته فتنة " أي خلاف ذلك مما يختبر به . " انقلب على وجهه " أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر . " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق - وروي عن يعقوب - " خاسر الدنيا " بألف ، نصبا على الحال ، وعليه فلا يوقف على " وجهه " . وخسرانه الدنيا بأن لاحظ في غنيمة ولا ثناء ، والآخرة بأن لا ثواب له فيها .