في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا} (63)

63

( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا : سلاما ) . .

ها هي ذي السمة الأولى من سمات عباد الرحمن : أنهم يمشون على الأرض مشية سهلة هينة ، ليس فيها تكلف ولا تصنع ، وليس فيها خيلاء ولا تنفج ، ولا تصعير خذ ولا تخلع أو ترهل . فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية ، وعما يستكن فيها من مشاعر . والنفس السوية المطمئنة الجادة القاصدة ، تخلع صفاتها هذه على مشية صاحبها ، فيمشي مشية سوية مطمئنة جادة قاصدة . فيها وقار وسكينة ، وفيها جد وقوة . وليس معنى : ( يمشون على الأرض هونا )أنهم يمشون متماوتين منكسي الرؤوس ، متداعي الأركان ، متهاوي البنيان ؛ كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح ! وهذا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كان إذا مشى تكفأ تكفيا ، وكان أسرع الناس مشية ، وأحسنها وأسكنها ، قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كأنما الأرض تطوي له - وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث . وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إذا مشى تكفأ تكفيا كأنما ينحط من صبب . وقال مرة إذا تقلع - قلت والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب ، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة .

وهم في جدهم ووقارهم وقصدهم إلى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة ، لا يتلفتون إلى حماقة الحمقى وسفه السفهاء ، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتباك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك ، ويترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا : سلاما )لا عن ضعف ولكن عن ترفع ؛ ولا عن عجز إنما عن استعلاء ، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة بما هو أهم وأكرم وأرفع .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا} (63)

الذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفِّقُوا للطاعات ، فبرحمتِه وصلوا إلى التوفيق للطاعة . وعِبادُ الرحمن الذين يستحقون غداً رحمته هم القائمون برحمته ؛ فبرحمته وصلوا إلى طاعته . . . هكذا بيان الحقيقة ، وبطاعتهم وصلوا إلى جَنَّتِه . . . هكذا لسان الشريعة .

ومعنى { هَوْناً } متواضعين متخاشعين .

ويقال شرْطُ التواضع وحَدُّه ألا يستَحْسِنَ شيئاً من أحواله ، حتى قالوا : إذا نَظَرَ إلى رِجْلِه لا يستحسن شِسْعَ نَعْلِهِ ، وعلى هذا القياس لا يُساكِنُ أعماله ، ولا يلاحظ أحواله .

قوله : { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمَاً } : قيل سداد المنطق ؛ ويقال مَنْ خاطَبَهم بالقَدْح فهم يجاوبونه بالمدح له .

ويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم ، والطاعنون فيهم ، العائبون لهم قابلوا ذلك بالرِّفق ، وحُسْنِ الخُلقِ ، والقولِ الحَسَنِ والكلام الطيب .

ويقال يخبرون مَنْ جفاهم أنهم في أمانٍ من المجافاة .