ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة ، نتيجتها الطبيعية . . الوهية واحدة . فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة :
( إن الدين عند الله الإسلام . وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم . بغيا بينهم . ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب . فإن حاجوك فقل : أسلمت وجهي لله ومن اتبعن . وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا . وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ، والله بصير بالعباد ) . .
ألوهية واحدة . . وإذن فدينونة واحدة . . واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله .
ألوهية واحدة . . وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ؛ وفي تطويعهم لأمرها ؛ وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ؛ وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ؛ وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها . .
ألوهية واحدة . . وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده . عقيدة التوحيد الخالص الناصع . . ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا :
( إن الدين عند الله الإسلام ) . .
الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى ، وليس مجرد راية ، وليس مجرد كلمة تقال باللسان ؛ ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام . . لا . فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه . إنما الإسلام الاستسلام . الإسلام الطاعة والاتباع . الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد . . كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل .
والإسلام توحيد الألوهية والقوامة . . بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا . . ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال . . هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف :
( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم . بغيا بينهم ) .
إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر . فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله ، وتفرد الألوهية . وبطبيعة البشرية ، وحقيقة العبودية . . ولكنهم إنما اختلفوا ( بغيا بينهم ) واعتداء وظلما ؛ حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه .
وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية . وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية . وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر ! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط ، يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا ! ! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية ! وهذا هو البغي أشنع البغي . عن قصد وعن علم !
ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب :
( ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) . .
وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ؛ وهدد الكافرين بسرعة الحساب ؛ كي لا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف . .
ولما قرر أنه الإله الحق المعبود ، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له ، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله ، وحثت عليها كتبه ، وهو الذي لا يقبل من أحد دينا سواه ، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك ، وهذا هو دين الرسل كلهم ، وكل من تابعهم فهو على طريقهم ، وإنما اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله ، بغيا بينهم ، وظلما وعدوانا من أنفسهم ، وإلا فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا الحق ويتركوا الاختلاف ، وهذا من كفرهم ، فلهذا قال تعالى { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } فيجازي كل عامل بعمله ، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته ، فهذا مستحق للوعيد الشديد والعقاب الأليم .
ولما كان ذلك علم أنه يجب{[15668]} أن تخضع له الرقاب ويخلص{[15669]} له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللاً للشهادة منهم بالعدل - وقراءة{[15670]} الكسائي بالفتح أظهر في التعليل : { إن الدين } وأصله الجزاء ، أطلق هنا على{[15671]} الشريعة لأنها مسببة{[15672]} { عند الله } أي الملك{[15673]} الذي له الأمر{[15674]} كله{[15675]} { الإسلام } فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس{[15676]} لكل طاعة ، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة{[15677]} المقتضية{[15678]} لنهاية الإذعان .
ولما كان ذلك مصرحاً بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلاً قال : فكان يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم ! فقيل : قد فعل ذلك ، فقيل : فما لهم لم يلزموه{[15679]} ؟ فقيل : قد لزموه مدة مديدة { وما } ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير : بين الله سبحانه وتعالى بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية{[15680]} ثم أوضحه غاية الإيضاح{[15681]} بآياته المسموعة بكتبه وما{[15682]} { اختلف الذين أوتوا الكتاب } هذا الاختلاف الذي ترونه { إلا من بعد ما جاءهم العلم } بذلك كله ، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل
{ بغياً } واقعاً { بينهم } لا بينهم وبين غيرهم ، بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس{[15683]} في الدنيا لشبه أبدوها{[15684]} ودعاو ادعوها ، طال بينهم فيها النزاع{[15685]} وعظم الدفاع ، والله سبحانه وتعالى عالم{[15686]} بكشفها ، قادر على صرفها . قال الحرالي : والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم{[15687]} الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر{[15688]} الباغي من الحسد له - انتهى .
ولما كان التقدير : فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب ، عطف عليه قوله : { ومن يكفر } أي يستمر على كفره{[15689]} ولم يقل حلماً منه : ومن كفر{[15690]} { بآيات الله } أي المرئيات والمسموعات الدالة{[15691]} على إحاطته{[15692]} بالكمال وقوفاً{[15693]} مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلاً { فإن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفوء له { سريع } قال الحرالي : من السرعة وهي{[15694]} وحاء النجاز{[15695]} فيما شأنه الإبطاء - انتهى . ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن{[15696]} القرب فالمعنى : قريب { الحساب * } أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا{[15697]} بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين ، ثم ينقلون{[15698]} إلى حسابه سبحانه وتعالى في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة{[15699]} ، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها ، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة{[15700]} والله تعالى أعلم .
ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه الإلهية . قال الحرالي : كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية ، فوقع عندهم بحال من كفروا به ، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقاً أن يكون سبب هداية المهتدي ، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه{[15701]} عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى ، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها ، كما قال عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه " مثلك يا علي كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود{[15702]} فبهتوا أمه{[15703]} وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به " كذلك{[15704]} تفرقت{[15705]} فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم انتهى{[15706]} .