ويستمر السياق يعرض ما فعلوه وما قالوه بعد استخلافهم في الأرض . غير هذا الهزل في طلب قرآن جديد .
ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، قل : أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ? سبحانه وتعالى عما يشركون .
والنفس حين تنحرف لا تقف عند حد من السخف . وهذه الأرباب المتعددة التي يعبدونها لا تملك لهم ضررا ولا نفعا ، ولكنهم يظنونها تشفع لهم عند الله :
ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله . .
( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ? ) . .
فالله سبحانه لا يعلم أن هناك من يشفع عنده مما تزعمون ! فهل تعلمون أنتم ما لا يعلمه الله وتنبئونه بما لا يعلم له وجودا في السماوات ولا في الأرض ? !
إنه أسلوب ساخر يليق بهذا السخف الذي يلجون فيه . يعقبه التنزيه لله عما لا يليق بجلاله مما يدعون :
{ 18 ْ } { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ْ }
يقول الله تعالى : { وَيَعْبُدُونَ ْ } أي : المشركون المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ْ } أي : لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا .
{ وَيَقُولُونَ ْ } قولا خاليا من البرهان : { هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ْ } أي : يعبدونهم ليقربوهم إلى الله ، ويشفعوا لهم عنده ، وهذا قول من تلقاء أنفسهم ، وكلام ابتكروه هم ، ولهذا قال تعالى -مبطلا لهذا القول- : { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ْ } أي : الله تعالى هو العالم ، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض ، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه ، أفأنتم-يا معشر المشركين- تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء ؟ أفتخبرونه بأمر خفي عليه ، وعلمتوه ؟ أأنتم أعلم أم الله ؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول ، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين ؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول ، فإنه يجزم بفساده وبطلانه : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ْ } أي : تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير ، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو ، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه ، فإنه باطل عقلا وشرعا وفطرة .
{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُْ } .
قوله تعالى : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم " يريد الأصنام . " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " وهذه غاية الجهالة منهم ؛ حيث ينتظرون الشفاعة في المال ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال . وقيل : " شفعاؤنا " أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا . " قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض " قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد . وقرأ أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا ، من أنبأ ينبئ . وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ، وهما بمعنى واحد ، جمعهما قوله تعالى : " من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير{[8447]} " [ التحريم : 3 ] أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه ، والله لا يعلم لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض ؛ لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه . نظيره قوله : " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض{[8448]} " [ الرعد : 33 ] ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : " سبحانه وتعالى عما يشركون " أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر{[8449]} ولا يميز " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فيكذبون ؛ وهل يتهيأ لكم أن تنبؤه بما لا يعلم ، سبحانه وتعالى عما يشركون ! . وقرأ حمزة والكسائي " تشركون " بالتاء ، وهو اختيار أبي عبيد . الباقون بالياء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.