في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا} (45)

28

وأمام هذا المشهد يضرب مثلا للحياة الدنيا كلها . فإذا هي كتلك الجنة المضروبة مثلا قصيرة قصيرة ، لا بقاء لها ولا قرار :

( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ، فأصبح هشيما تذروه الرياح ، وكان الله على كل شيء مقتدرا ) . .

هذا المشهد يعرض قصيرا خاطفا ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال . فالماء ينزل من السماء فلا يجري ولا يسيل ولكن يختلط به نبات الأرض . والنبات لا ينمو ولا ينضج ، ولكنه يصبح هشيما تذروه الرياح . وما بين ثلاث جمل قصار ، ينتهي شريط الحياة .

ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد . بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء :

( ماء أنزلناه من السماء ) ف ( فاختلط به نبات الأرض ) ف ( أصبح هشيما تذروه الرياح ) فما أقصرها حياة ! وما أهونها حياة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا} (45)

{ واضرب لهم مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الريّاح وكان الله على كل شيء مقتدرا ( 45 ) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيّات الصّالحات خير عند ربّك ثوابا وخير أملا ( 46 ) }

المفردات :

مثل : صفة .

هشيما : متكسرا متفتتا .

تذروه : تنسفه وتبعثره وتفرقه .

مقتدرا : كامل القدرة .

التفسير :

45- { واضرب له مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح } .

في أعقاب الحديث عن صاحب الجنتين ، وهلاك جنتيه ، يضرب القرآن الكريم مثلا آخر للدنيا في سرعة تقلبها ، وانتهاء أمرها ، وسرعة زوالها ، بصورة عملية يشاهدها الإنسان ؛ هي صورة المطر ينزل من السماء ، فيخالط نبات الأرض ؛ فيخضر النبات ، وينمو ويصبح بهجة للناظرين ، ثم لا يلبث أن تجف أوراقه وتتكسر ، ويصبح هشيما متفتتا تنثره الرياح ذات اليمين وذات اليسار .

ووجه الشبه هنا صورة منتزعة من تعدد ؛ حيث شبه القرآن الدنيا في جمالها وزينته ، وانتهاء أمرها بالماء يختلط بالنبات الأخضر ، يصبح جميلا مزهرا ممتعا ، ثم يتحول إلى هشيم متفتت تنسفه الرياح .

{ وكان الله على كل شيء مقتدرا } . فهو سبحانه قادر قدرة كاملة على كل شيء ، وهو الباقي بعد كل شيء ، ومن عمل لوجه الله ظل عمله باقيا خالدا ؛ ومن عمل للدنيا فعمرها قصير . وفي الأثر : اعمل لوجه واحد ؛ يكفك كل الأوجه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا} (45)

قوله تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ( 45 ) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ( 46 ) } .

هذا مثل كاشف يضربه الله للناس فيصف فيه حقيقة الدنيا في سرعة زوالها وانقضائها وأنها حطام دائر ما يلبث أن يفنى ويتبدد ليكون بعد ذلك أثرا بعد عين .

مثل يضربه الله للناس وفيهم المغرورون والغافلون والتائهون السادرون في الضلال والتفريط والغفلة ، الغائرون في الشهوات والملذات بكل صورها وضروبها .

والحياة برمتها- في الحقيقة- أشبه بماء المطر النازل من السماء إلى الأرض ليختلط به نباتها المختلف . فينمو ويزهو ويستوي على سوقه ويكون في غاية النضارة والحسْن ، ثم يأخذ بعد ذلك في الذبول والانحناء والتكسر ويأتي عليه الجفاف واليُبس ليصبح بعد ذلك ( هشيما تذروه الرياح ) من الهشم وهو كسر الشيء اليابس . والهشيم معناه النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء{[2825]} .

قوله : ( تذروه الرياح ) أي تسفّه وتفرقه ليتطاير في الفضاء وفي أجواء السماء ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) الله قادر على كل شيء . سواء في ذلك إنشاء الخلق أو إفناؤه أو أحياؤه من جديد .

هذه هي الدنيا حقيقتها ؛ فإنما هي مركبات من الأموال والأهواء والملذات والزخرف . أو هي أصناف مختلفة من الزينة والشهوات والتفاخر بالوجاهات والأموال وغير ذلك من المستلذات مما تشتهيه نفوس البشر . ثم قال ذلك كله إلى الفناء والزوال . وهكذا الإنسان يكون لا هيا سادرا في الشهوات والمستلذات وهو يمتد به العمر ليدنو به رويدا رويدا من الهرم وخرف الكبر . فما يلبث بعد ذلك أن يصير إلى الموت المحتوم . وحينئذ تفنى الأهواء والشهوات وتنقضي الحياة برمتها ، ليحين بعد ذلك وقت الحساب والمساءلات بدءا بالقبر حيث الظلمة وهول العذاب فيه ، ومرورا بالحشر وما فيه من فظائع الزحام والعطاش والذعر والكرب الشديد ، وانتهاء بالحساب الفاصل ، فإما إلى النجاة والجنة ، وإما إلى الهوان والنار .


[2825]:- القاموس المحيط جـ4 ص 192.