في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

221

وتؤدي هذه اللمسة دورها في مجال الحديث عن أحكام الزواج والطلاق ؛ وفي تقرير التصور الإسلامي لقاعدة الإسلام الكبرى . وهي العبادة ممثلة في كل طاعة . ثم يعود السياق إلى ختام الأحكام :

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا : وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج . فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم . وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين . . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون . .

والآية الأولى تقرر حق المتوفى عنها زوجها في وصية منه تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله ، مدة حول كامل ، لا تخرج ولا تتزوج إن رأت من مشاعرها أو من الملابسات المحيطة بها ما يدعوها إلى البقاء . . وذلك مع حريتها في أن تخرج بعد أربعة أشهر وعشر ليال كالذي قررته آية سابقة . فالعدة فريضة عليها . والبقاء حولا حق لها . . وبعضهم يرى أن هذه الآية منسوخة بتلك . ولا ضرورة لافتراض النسخ ، لاختلاف الجهة كما رأينا . فهذه تقرر حقا لها إن شاءت استعملته . وتلك تقرر حقا عليها لا مفر منه :

( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) . .

وكلمة ( عليكم ) توحي بمعنى الجماعة المتضامنة المسؤولة عن كل ما يقع فيها . فالجماعة هي التي يناط بها أمر هذه العقيدة وأمر هذه الشريعة وأمر كل فرد وكل فعل في محيطها . وهي التي يكون عليها جناح فيما يفعل أفرادها أو لا يكون . . ولهذا الإيحاء قيمته في إدراك حقيقة الجماعة المسلمة وتبعاتها ، وفي ضرورة قيام هذه الجماعة لتقوم على شريعة الله وتحرسها من خروج أي فرد عليها . فهي المسؤولة في النهاية عن الأفراد في الصغيرة والكبيرة . والخطاب يوجه إليها بهذه الصفة لتقرير هذه الحقيقة في حسها وفي حس كل فرد فيها . . والتعقيب :

( والله عزيز حكيم ) . .

للفت القلوب إلى قوة الله . وحكمته فيما يفرض وما يوجه . وفيه معنى التهديد والتحذير . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

المتعة والنفقة

221

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزوجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم( 240 ) وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين( 241 ) كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون( 242 ) }

المفردات :

ويذرون : ويتركون وراءهم .

وصية : فليوصوا وصية .

متاعا إلى الحول غير إخراج : أي أن المتوفى يوصي قبل موته أن تتمتع امرأته حولا كاملا بالسكنى والنفقة غير مخرجة من بيت زوجها مدة حول .

فلا جناح : فلا إثم .

240

التفسير :

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف }

هذه الأحكام تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج ، وقد جاء ذكر الصلاة أثناء الحديث عن أحكام المطلقات ، حقا للمؤمنين على مراقبة الله تعالى وطاعته عند انفصام الحياة الزوجية وانتهائها .

ومعنى الآية : والذين يتوقعون قرب الوفاة منكم أيها المسلمون ويتركون بعدهم زوجات كتب الله عليكم أيها الأزواج قبل الاحتضار ، وصية لهن بأن يمتعن بعدكم بالنفقة والسكنى إلى نهاية عام كامل بعد الوفاة ، غير مخرجات من مساكنهم طيلة الحول أي لا يخرجن منه أولياء الميت .

وجمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة ، فقد راعى القرآن التدرج في التشريع فشرع عدة المتوفى عنها زوجها سنة كاملة ، ولم يكن لها حق في الميراث وإنما لها الحق في السكنى والنفقة في منزل الزوج .

وقد علم أنه كان من عادة العرب إلزام المرأة زوجها المتوفى سنة كاملة .

فبينت هذه الآية أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى :

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }( البقرة : 234 ) .

والآية التي معنا وإن تأخرت تلاوة ، إلا أنها متقدمة في النزول .

قال المفسرون : إن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيته حولا وينفق عليها من ماله ما لم تخرج المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ، ثم نسخ الحول بالأربعة أشهر والعشر ، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء( 291 ) .

قال ذلك ابن عباس وقتادة وغيرهما .

قالوا : " ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : " نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن ، نسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا " ( 292 ) .

وبعض المفسرين الآخرين ذهب إلى أن هذه الحكمة وليست منسوخة ، وممن ذهب إلى هذا الرأي مجاهد ، فقد قال ما ملخصه دلت الآية الأولى وهي : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } . على أن عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها ، ودلت هذه الآية بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول ، وان ذلك من باب الوصية بالزوجات ، أن يمكن بالسكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ، ولا يمنعن من ذلك لقوله " غير إخراج " فإذا انقضت عدتهم بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن لخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله تعالى : { فإن خرجن . . . }الآية .

ومن المفسرين الذين أيدوا هذا الرأي الإمام ابن كثير في تفسيره فقال : ورأى مجاهد له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له ، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية( 293 ) .

كما روى هذا الرأي الطبري عن مجاهد . وقال القرطبي : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت .

كما أيد أيضا الإمام فخر الرازي في تفسيره ، فقد قال بعد أن ساق بعض الأدلة التي تثبت ضعف قول من قال بالنسخ : " فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزم النسخ من غير دليل " ( 294 ) .

ويتضح لك أن أصحاب الرأي الثاني لا يرون معارضة بين هذه الآية ، وبين آية : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ، لأن الآية التي معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها ، وإنما تتحدث عن حقها في البقاء في منزل الزوجية بعد وفاة زوجها ، وأن هذا الحق ثابت لها فإن شاءت بقيت فيه ، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما تراه مصلحة لها ، ولأنها لا يوجد في ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن الأزواج مدة معينة .

أم الآية الثانية فتراها واضحة في الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشرا وهي العدة التي يجب أن تمتنع فيها المرأة التي مات عنها زوجها عن التزين والتعرض للزواج ، إذن فلا تعارض بيت الآيتين ، ومتى انتفى التعارض انتفى النسخ .

ثم ختم الآية بقوله :

{ والله عزيز حكيم } .

فهو سبحانه قوي قادر على أمره ، حكيم فيما شرع لعباده من آداب وأحكام .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ) هذه الآية باتت منسوخة . فقد نسختها الآية قبلها وهي : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) أما الآية المنسوخة فتأويلها أن المتوفى عنها زوجها كانت تقيم في بيت المتوفى عنها مدة حول كامل ، وينفق عليها من ماله وذلك على سبيل الوصية الملزمة من الله ما لم تخرج من البيت ، فإن هي خرجت بات الورثة في حِلّ من الإنفاق عليها ، لكن مدة الحول هذه قد نسخت بالأربعة أشهر والعشرة أيام . وقال القاضي عياض في هذا الصدد : إن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر .

ويعزز هذا التأويل ما ورد عن الرسول ( ص ) قوله : " إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأي الحول " .

وقوله : ( وصية ) منصوب على تقدير فعل محذوف ، أي فليوصوا وصية ، أو وألزم الذين يتوفون وصية . وقرئت بالرفع على أنها مبتدأ لخبر محذوف . أي عليهم وصية . وقيل : الخبر لأزواجهم وقوله : ( متاعا ) منصوب بوصية ، أو بفعل محذوف . أي متعوهن متاعا . وقيل : منصوب على الحال .

وقوله : ( غير إخراج ) أي ليس لأولياء الميت أن يخرجوها من البيت خلا الحول . و ( غير ) منصوب على الحال ، أي متعوهن غير مخرجات . وقيل منصوب ؛ لكونه صفة للمتاع .

لكن النساء المتوفى عنهن أزواجهن ، إذا خرجن من البيوت خلال الحول- سواء أوّله أو وسطه- فإنه لا إثم على الأولياء من هذا الخروج ، وكذلك فإنه لا إثم عليهم إذا قطعوا عنهن النفقة للخروج ؛ ذلك أن الأولياء كانوا مكلفين بإسكانهن والإنفاق عليهن ما لم يخرجن . وفي ذلك جاءت الآية ( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) أي لا حرج ولا جناح على الأولياء في خروج النساء من البيوت أثناء الحول أو رغبن في النكاح بعد انقضاء عدتهن بالحول ، وهو الذي يوافق الشرع . وذلك هو المقصود بقوله : ( في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) .

قوله : ( والله عزيز حكيم ) ذلك تهديد من الله وإخبار ، فهو سبحانه يتوعد الذين يخالفون عن أمره بإخراج النساء المتوفى عنهن الأزواج من البيوت وقطع النفقة عنهن ، وهو سبحانه حكيم فيما بيّن للعباد من شرائع وحدود وأحكام .