في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (146)

121

ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم . من موكب الإيمان اللاحب الممتد على طول الطريق ، الضارب في جذور الزمان . . من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم ، وقاتلوا مع أنبيائهم ، فلم يجزعوا عند الابتلاء ؛ وتأدبوا - وهم مقدمون على الموت - بالأدب الإيماني في هذا المقام . . مقام الجهاد . . فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم ؛ وأن يجسموا أخطاءهم فيروها " إسرافا " في أمرهم . وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار . . وبذلك نالوا ثواب الدارين ، جزاء إحسانهم في أدب الدعاء ، وإحسانهم في موقف الجهاد . وكانوا مثلا يضربه الله للمسلمين :

( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا . والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ؛ وثبت أقدامنا ؛ وانصرنا على القوم الكافرين . فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة . والله يحب المحسنين ) . .

لقد كانت الهزيمة في " أحد " ، هي أول هزيمة تصدم المسلمين ، الذين نصرهم الله ببدر وهم ضعاف قليل ؛ فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية . فلما أن صدمتهم أحد ، فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه !

ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم . واستطرد السياق يأخذ المسلمين بالتأسية تارة ، وبالاستنكار تارة ، وبالتقرير تارة ، وبالمثل تارة ، تربية لنفوسهم ، وتصحيحا لتصورهم ، وإعدادا لهم . فالطريق أمامهم طويل ، والتجارب أمامهم شاقة ، والتكاليف عليهم باهظة ، والأمر الذي يندبون له عظيم .

والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام ، لا يحدد فيه نبيا ، ولا يحدد فيه قوما . إنما يربطهم بموكب الإيمان ؛ ويعلمهم أدب المؤمنين ؛ ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ؛ ويربطهم بأسلافهم من اتباع الأنبياء ؛ ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ؛ ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد . وإنهم كتيبة في الجيش الإيماني الكبير :

( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير . فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) . .

. . وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة . فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب والشدة والجراح . وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح ، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء . . فهذا هو شأن المؤمنين ، المنافحين عن عقيدة ودين . .

( والله يحب الصابرين ) . .

الذين لا تضعف نفوسهم ، ولا تتضعضع قواهم ، ولا تلين عزائمهم ، ولا يستكينون أو يستسلمون . . والتعبير بالحب من الله للصابرين . له وقعه . وله إيحاؤه . فهو الحب الذي يأسو الجراح ، ويمسح على القرح ، ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير !

/خ179

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (146)

146- { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } .

المفردات :

وكأين من نبي : وكثير من الأنبياء .

ربيون : منسوبون إلى الرب بالتقوى والصلاح مفرده ربي .

وهنوا : الوهن شدة الضعف في القلب .

استكانوا : ذلوا وخضعوا لما يريد بهم عدوهم .

التفسير :

إن كثير من النبيين الذين خلوا قاتل معهم كثير من المؤمنين بهم المنتسبين إلى الرب تعالى في وجهة قلوبهم وفي أعمالهم ، المعتقدين أن النبيين والمرسلين هداة ومعلمون ، لا أرباب معبودون .

{ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله } أي ما ضعف مجموعهم بما أصاب بعضهم من الجرح وبعضهم من القتل وإن كان المقتول هم النبي نفسه لأنهم يقاتلون في سبيل الله وهو ربهم لا في سبيل شخص نبيهم .

وما ضعفوا . عن الجهاد .

وما استكانوا . أي ما ذلوا ولاخضعوا لعدوهم .

قال قتادة : وما ضعفوا . أي : وما تضعضعوا لقتل نبيهم وما استكانوا . أي ما ارتدوا عن نصرتهم ولا دينهم 107 .

***

والله يحب الصابرين . أي يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله .

جاء في ظلال القرآن :

( كم من نبي قاتل معه أبرار أتقياء كثيرون فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب والشدة والقتل والجراح وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح وما استسلموا للجزع ولا للأعداء . . . وهذا هو اللائق بالمؤمن التقي البار الذي يكافح عن عقيدة ويكافح في سبيل الله .

والله يحب الصابرين .

الذين لا تضعف نفوسهم ولا تتضعضع قواهم ولا تلين عزائمهم ولا يستكينون ولا يستسلمون للشدائد والأعداء108 .

***

وتلحظ أن ترتيب الأوصاف جاء في نهاية الدقة بحسب حصولها في الخارج فإن الوهن الذي هو خور في العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذي هو لون من الاستسلام والفشل ثم تكون بعدهما الاستكانة التي يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة في حياته كان الموت أكرم له من هذه الحياة .

وجاء في تفسير الكشاف :

( الربيون ) : هم الربانيون منسبون إلى الرب سبحانه وتعالى وقرئ بالحركات الثلاث فالفتح على القياس والضم والكسر من تغييرات النسب : ربيون وربُيون ، وربيون والرَّبيون نسبة إلى الرب وزيادة الألف والنون فيه كزيادتها في جسماني .

وقال الزجاج : الربيون الجماعات الكثيرة واحدها ربي .

/خ148

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (146)

قوله تعالى : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) ذلك تحضيض للمؤمنين على القتال من غير تردد ولا تعثر ومن غير التفات لإرجاف المرجفين . وهو كذلك أمر لهم بالاقتداء بخيار أتباع النبيين السابقين . فقد قاتل أو قتل مع النبيين السابقين كثير من الربيين فما ضعفوا ولا انثنوا عن الجهاد ومقارعة الظالمين .

قوله : ( وكأين ) بمعنى كم . وأصل الكلمة أي ، دخلت عليها كاف التشبيه وتبتت معها فصارت بعد التركيب بمعنى كم ، وصورت في المصحف نونا ؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغيير معناها ثم كثر استعمالها فتصرفت فيها العرب بالقلب والحذف فصار فيها أربع لغات منها قوله : ( وكأين ) بالتشديد . والمعنى كثير من الأنبياء قاتل معه العدد الكثير من أصحابه وهم الربيون ، فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ؛ لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله . فكذلك ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد . وهذا المعنى مبني على قراءة " قاتل " . وثمة قراءة أخرى وهي : قتل معه ربيون كثير{[604]} والأولى الراجحة في نظري لاتساق المعنى المقصود . وهو تشجيع المسلمين على القتال وعدم الفرار أو قبول الإرجاف . فإن كثيرا ممن سبقكم من النبيين قاتل معهم جموع كثيرة من أتباعهم فما وهنوا .

قوله : ( ربيون كثير ) الربيون الجماعات الكثيرة ، وهم ألوف من الناس . والمفرد : ربّي – بكسر الراء وتشديد الباء- وأصله من الربة وهي الجماعة كأنه نسب إلى الربة{[605]} . قال ابن عباس وآخرون : الربيون ، الجموع الكثيرة .

قوله : ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) ( وهنوا ) من الوهن وهو الضعف ، أو هو انكسار الجد بالخوف . ( وما استكانوا ) من الاستكانة وهي الذلة والتخشع والخضوع . فيكون المعنى أن هؤلاء الربيين ما ضعفوا عن عدوهم ولا عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله ولا ذلوا أو تخشعوا لعدوهم بمداهنة عدوهم خيفة منهم ولكنهم مضوا قدما على دينهم الحق وعلى منهاج نبيهم صابرين على ما أصابهم في سبيل الله .

قوله : ( والله يحب الصابرين ) أي الصابرين على الجهاد وملاقاة العدو وما يقتضيه ذلك من خوف وآلام وجراح وإزهاق لمهج .


[604]:- فتح القدير جـ 1 ص 386 وتفسير الرازي جـ 9 ص 26 ، 27 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 228.
[605]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 74 وتفسير الرازي جـ 9 ص 28.