في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا} (51)

44

ويمضي السياق في التعجيب من أمر أولئك الذين يزكون أنفسهم . . بينما هم يؤمنون بالباطل وبالأحكام التي لا تستند إلى شرع الله ، وليس لها ضابط منه يعصمها من الطغيان : " الجبت والطاغوت " وبينما هم يشهدون للشرك والمشركين بأنهم أهدى من المؤمنين بكتاب الله ومنهجه وشريعته ، ويحمل عليهم - بعد التعجيب من أمرهم ، وذكر هذه المخازي عنهم - حملة عنيفة ؛ ويرذلهم ترذيلا شديدا ؛ ويظهر كامن طباعهم من الحسد والبخل ؛ والأسباب الحقيقية التي تجعلهم يقفون هذا الموقف إلى جانب انحرافهم عن دين إبراهيم - الذي يفخرون بالانتساب إليه - وينهي هذه الحملة بتهديدهم بجهنم . ( وكفى بجهنم سعيرًا ) .

ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، يؤمنون بالجبت والطاغوت ، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ! أولئك الذين لعنهم الله . ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا . أم لهم نصيب من الملك ؟ فإذا لا يؤتون الناس نقيرا . أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ؛ وآتيناهم ملكا عظيما . فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ؛ وكفى بجهنم سعيرًا . .

لقد كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، أولى الناس أن يتبعوا الكتاب ؛ وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه من لم يأتهم من الله هدى ؛ وأن يحكموا كتاب الله في حياتهم ، فلا يتبعوا الطاغوت - وهو كل شرع لم يأذن به الله ، وكل حكم ليس له من شريعة الله سند - ولكن اليهود - الذين كانوا يزكون أنفسهم ، ويتباهون بأنهم أحباء الله - كانوا في الوقت ذاته يتبعون الباطل والشرك باتباعهم للكهانة وتركهم الكهان والأحبار يشرعون لهم ما لم يأذن به الله . وكانوا يؤمنون بالطاغوت ؛ وهو هذا الحكم الذي يقوم على غير شريعة الله . . وهو طاغوت لما فيه من طغيان - بادعاء الإنسان إحدى خصائص الألوهية - وهي الحاكمية - وبعدم انضباطه بحدود من شرع الله ، تلزمه العدل والحق . فهو طغيان ، وهو طاغوت ؛ والمؤمنون به والمتبعون له ، مشركون أو كافرون . . يعجب الله من أمرهم ، وقد أوتوا نصيبا من الكتاب ، فلم يلتزموا بما أوتوه من الكتاب !

ولقد كانوا يضيفون إلى الإيمان بالجبت والطاغوت ، موقفهم في صف المشركين الكفار ، ضد المؤمنين الذين آتاهم الله الكتاب أيضا :

ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا . .

قال ابن إسحاق . حدثني محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة - أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس . قال : " كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة ، حيي بن أخطب ، وسلام بن الحقيق ، وأبو رافع ، والربيع بن الحقيق ، وأبو عامر ، ووحوح بن عامر ، وهودة بن قيس . فأما وحوح وأبو عامر وهودة ، فمن بني وائل ، وكان سائرهم من بني النضير . . فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء أحبار يهود ، وأهل العلم بالكتاب الأول . فاسألوهم : أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم . فقالوا : دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله - عز وجل - : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) . . . إلى قوله عز وجل : ( وآتيناهم ملكا عظيما ) . . وهذا لعن لهم ، وإخبار بأنه لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة . لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين . وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم . وقد أجابوهم ، وجاءوا معهم يوم الأحزاب ؛ حتى حفر النبي [ ص ] وأصحابة حول المدينة الخندق ، وكفى الله شرهم

( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا . وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا ) .

وكان عجيبا أن يقول اليهود : إن دين المشركين خير من دين محمد ومن معه ، وإن المشركين أهدى سبيلا من الذين آمنوا بكتاب الله ورسوله [ ص ] ولكن هذا ليس بالعجيب من اليهود . . إنه موقفهم دائما من الحق والباطل ، ومن أهل الحق وأهل الباطل . . إنهم ذوو أطماع لا تنتهي ، وذوو أهواء لا تعتدل ، وذوو أحقاد لا تزول ! وهم لا يجدون عند الحق وأهله عونا لهم في شيء من أطماعهم وأهوائهم وأحقادهم . إنما يجدون العون والنصرة - دائما - عند الباطل وأهله . ومن ثم يشهدون للباطل ضد الحق ؛ ولأهل الباطل ضد أهل الحق !

هذه حال دائمة ، سببها كذلك قائم . . وكان طبيعيا منهم ومنطقيا أن يقولوا عن الذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا !

وهم يقولونها اليوم وغدا . إنهم يشوهون بوسائل الدعاية والإعلام التي في أيديهم كل حركة إسلامية ناجحة على ظهر الأرض ؛ ويعينون عليها أهل الباطل لتشويهها وتحطيمها - بالضبط كما كانوا يعينون مشركي قريش ويستنصرون بهم في الوقت ذاته - لتشويه الحركة الإسلامية الأولى وتحطيمها .

ولكنهم أحيانا - لخبثهم ولتمرسهم بالحيل الماكرة ولملابسات العصر الحديث - قد لا يثنون ثناء مكشوفا على الباطل وأهله . بل يكتفون بتشويه الحق وأهله . ليعينوا الباطل على هدمه وسحقه . ذلك أن ثناءهم المكشوف - في هذا الزمان - أصبح متهما ، وقد يثير الشبهات حول حلفائهم المستورين ، الذين يعملون لحسابهم ، في سحق الحركات الإسلامية في كل مكان . .

بل لقد يبلغ بهم المكر والحذق أحيانا ، أن يتظاهروا بعداوة وحرب حلفائهم ، الذين يسحقون لهم الحق وأهله . ويتظاهروا كذلك بمعركة كاذبة جوفاء من الكلام . ليبعدوا الشبهة تماما عن أخلص حلفائهم ، الذين يحققون لهم أهدافهم البعيدة !

ولكنهم لا يكفون أبدا عن تشويه الإسلام وأهله . . لأن حقدهم على الإسلام ، وعلى كل شبح من بعيد لأى بعث إسلامي ، أضخم من أن يداروه . . ولو للخداع والتمويه !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا} (51)

سقطات اليهود

المفردات :

بالجبت : الجبت : كل ما عبد من دون الله ، ويطلق أيضا على الكاهن ، و الساحر ، والسحر .

الطاغوت : الطاغوت في الأصل ، كثير الطغيان ، وطلق على كل رأس في الضلال يصرف عن طريق الخير ، ويغرى بالشر .

التفسير :

51 _ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ . . . الآية .

روى ابن جرير حاتم ، عن عكرمة : أن حيى بن أخطب ، وكعب بن الأرشيف اليهودين ، خرجا إلى مكة في جماعة من اليهود ؛ ليحالفوا قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وينقضوا العهد الذي كان بينهم و بينه ؛ فقال لهم كفار قريش : أنتم أهل كتاب ، و أنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا ، فلا نأمن مكرمكم ؛ فاسجدوا لآلهتنا ، حتى نطمئن إليكم . . ففعلوا .

فهذا إيمانهم بالجبب والطاغوت ؛ لأنهم سجدوا للأصنام ، و أطاعوا إبليس فيما فعلوا و قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب ، وتعلم ، ونحن أميون لا نعلم . فأينا أهدى سبيلا : نحن أم محمد ؟ فقال : ماذا يقول محمد ؟ قال : يأمر بعبادة الله وحده ، وينهى عن الشرك . قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت : نسقي الحاج ، و نقرى الضيف ونفك العانى . وذكروا أفعالهم . فقال : أنتم أهدى سبيلا ؛ فنزلت .

وروى _من غير وجه _نحو ذلك .

وهذه الآية : تعجيب من حال أخرى من أحوال أهل الكتاب ، وتوبيخ لهم على ارتكابهم جريمة من أشنع الجرائم ، وهي سجودهم للأصنام ، وشهادتهم بأن عبدة الطاغوت أحسن دينا من أهل الإسلام . على الرغم من أنهم أهل كتاب . وأعر من غيرهم بالدين الصحيح .

و المعنى : ألم ينته علمك يا محمد _ أو كل من يستحق أن خاطب _ إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، ورزقوا حظا منه ، و إلى حالتهم العجيبة الداعية إلى الدهشة و العجب ، و هي أنهم _ مع كونهم أهل كتاب _ يؤمنون بالأصنام و يطيعون الشيطان ، و يقولون في شأن الذين آمنوا للذين كفروا _ من أجل مخالفتهم _ هؤلاء الكفار الجاهليون : أهدى سبيلا ، و أقوم طريقا من الذين آمنوا بمحمد ؟ !

فبين بذلك مناط التعجيب من حالهم .

يا للعجب من قوم : أهل كتاب ، و إتباع رسل ، يقولون عن المؤمنين بمحمد : إن الكفار _ من مشركي مكة _ أهدى منهم سبيلا ! وإنما وصفهم الله بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يصفهم بأنهم أوتوا الكتاب ؛ لأن حالهم تتنافى مع الكتاب كله حيث يؤمنون ببعضه ، و يكفرون ببعضه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا} (51)

وقوله : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) . ( الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) هم اليهود قد أوتوا التوراة وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت . وفي معنى هذين الاسمين وردت أقوال كثيرة :

الأول : لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه- قال : الجبت هو السحر ، والطاغوت معناه الشيطان .

والثاني : أن الجبت معناه الشيطان . وهو قول طائفة .

والثالث : أن الجبت معناه الأصنام . وهو قول ابن عباس .

والرابع : أن الجبت معناه الكاهن . وهو رواية عن ابن عباس .

والخامس : أن الجبت هو حيي بن أخطب . وهو قول ابن عباس .

والسادس : أن الجبت كعب بن الأشرف . وهو قول مجاهد .

والجبت في اللغة هو الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه . وكل ما عبد من دون الله تعالى مما يطغي الإنسان{[776]} وذلك هو تأويل الجامع الذي نرجه .

هؤلاء الكفرة الذين يؤمنون بالسحر والشيطان أو ما عبد من دون الله يقضون في حكم فاسد جائر بأن المشركين عبدة الأوثان يتبعون الحق ، وأن المسلمين أتباع النبي ( ص ) يتبعون الباطل وعلى ذلك فالمشركون عبدة الأوثان خير من المسلمين . وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن كعب بن الأشرف وهو سيد يهود المدينة قد خرج في سبعين رجلا منهم إلى مكة بعد وقعة أحد فحالفوا قريش على حرب المسلمين . فقال أبو سفيان لكعب بن الأشرف : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميّون لا نعلم فأيّنا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد ؟ فقال كعب قولة البهتان والزور : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد{[777]} .


[776]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 150 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 512 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 249.
[777]:- أسباب النزول للنيسابوري، ص 103