وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل :
( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون ) . .
صلوات من ربهم . . يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه . . وهو مقام كريم . . ورحمة . . وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون . .
وبعد . . فلا بد من وقفة أمام هذه الخاتمة في تلك التعبئة للصف الإسلامي . التعبئة في مواجهة المشقة والجهد ، والاستشهاد والقتل ، والجوع والخوف ، ونقص الأموال والأنفس والثمرات . التعبئة في هذه المعركة الطويلة الشاقة العظيمة التكاليف .
إن الله يضع هذا كله في كفة . ويضع في الكفة الأخرى أمرا واحدا . . صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون . . إنه لا يعدهم هنا نصرا ، ولا يعدهم هنا تمكينا ، ولا يعدهم هنا مغانم ، ولا يعدهم هنا شيئا إلا صلوات الله ورحمته وشهادته . . لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها . فكان من ثم يجردها من كل غاية ، ومن كل هدف ومن كل رغبة من الرغبات البشرية - حتى الرغبة في انتصار العقيدة - كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته . . كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون . . هذا هو الهدف ، وهذه هي الغاية ، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها . . فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم ، إنما هو لدعوة الله التي يحملونها .
إن لهم في صلوات الله ورحمته وشهادته جزاء . جزاء على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات . وجزاء على الخوف والجوع والشدة . وجزاء على القتل والشهادة . . إن الكفة ترجح بهذا العطاء فهو أثقل في الميزان من كل عطاء . أرجح من النصر وأرجح من التمكين وأرجح من شفاء غيظ الصدور . .
هذه هي التربية التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب ، وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين .
{ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } .
صلوات من ربهم : الأصل في الصلاة الدعاء ، والصلاة من العبد دعاء ، ومن الملائكة استغفار ، ومن الله رحمة .
تقع هذه الآية في جواب سؤال تقديره بماذا بشر الله الصابرين ؟ والجواب هو : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة . . . }
والمعنى : أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم ، وإحسان منه سبحانه يشملهم في دنياهم وآخرتهم .
وأولئك هم المهتدون : إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية ، فإن من نال رأفة الله لم يفته مطلب .
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : نعم العدلان ونعمت العلاوة : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة . فهذان العدلان . وأولئك هم المهتدون . فهذه العلاوة( 25 ) .
وقد ورود مدح الصبر والصابرين في القرآن الكريم ، قال تعالى : { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } . ( الأحزاب : 35 ) .
وقال سبحانه : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } . ( الزمر : 10 ) .
وقال عز شأنه : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
كما حفلت كتب السنة الصحاح بالحث على الصبر وبيان أجر الصابرين .
وروى الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما يصيب المسلم من نصب ولا صب ولا هم حزن ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه » ( 26 ) .
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها ، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها . قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت : من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ؟ ثم عزم الله لي فقلتها ، قالت : فتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( 27 ) .
قال : { أولئك } خطاباً لنبيه واستحضاراً لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم . قال : { عليهم صلوات } صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه{[5835]} إخراجاً لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور ، قال :
{ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور{[5836]} }[ الأحزاب : 43 ] فبصلاتهم{[5837]} عليهم إخراجهم{[5838]} من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك الابتلاءات ، فلذلك كان ذلك{[5839]} صلوات بالجمع{[5840]} ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم منه عدد تلك الابتلاءات ، وفي قوله تعالى : { من ربهم } إشعار بتدريجهم في ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال{[5841]} ما أصابهم ، قال تعالى : { ورحمة }{[5842]} إفراد لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم ، فنالتهم الرحمة جمعاً حين أخرجتهم الصلوات أفراداً{[5843]} . قال تعالى : { وأولئك } إشارة إلى الذين{[5844]} نالتهم الصلوات والرحمة فأبقاهم{[5845]} مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب { هم المهتدون } فجاء بلفظ { هم } إشعاراً بصلاح بواطنهم عما جره{[5846]} الابتلاء من أنفسهم - انتهى{[5847]} . والذي يلوح لي{[5848]} أن أداة البعد في { أولئك } إشارة إلى علو مقامهم وعز مرامهم ، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم الحصر ؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف ، والرحمة الإنعام بما يقتضي العطف والتَحنّن - والله سبحانه وتعالى الموفق ؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم به بألسنتهم والإملاء لهم إلى حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم{[5849]} ببيض الصفاح ، كما في الآية الأخرى{ لتبلون في أموالكم وأنفسكم }[ الأعراف : 186 ] إلى آخرها{[5850]} ويمكن{[5851]} أن يراد " {[5852]}بالخوف الجهاد{[5853]} " . وبالجوع الصوم ، وبنقص الأموال زكاة الصامت من المال ، وبالأنفس زكاة الحيوان ، وبالثمرات زكاتها ؛ لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما تقدمها وتلاها أن تكون مقصورة{[5854]} على الجهاد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.