واحتراسا من وقوع القتل ولو كان خطأ ؛ وتطهيرا لقلوب المجاهدين حتى ما يكون فيها شيء إلا لله ، وفي سبيل الله . . يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة ، ألا يبدأوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا ؛ وأن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان [ إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان ] .
( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ؛ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا . تبتغون عرض الحياة الدنيا . فعند الله مغانم كثيرة . كذلك كنتم من قبل ، فمن الله عليكم . فتبينوا . إن الله كان بما تعملون خبيرًا ) . .
وقد وردت روايات كثيرة في سبب نزول الآية : خلاصتها أن سرية من سرايا المسلمين لقيت رجلا معه غنم له . فقال السلام عليكم . يعني أنه مسلم . فاعتبر بعضهم أنها كلمة يقولها لينجو بها ، فقتله .
ومن ثم نزلت الآية ، تحرج على مثل هذا التصرف ؛ وتنفض عن قلوب المؤمنين كل شائبة من طمع في الغنيمة ؛ أو تسرع في الحكم . . وكلاهما يكرهه الإسلام .
إن عرض الحياة الدنيا لا يجوز أن يدخل للمسلمين في حساب ؛ إذا خرجوا يجاهدون في سبيل الله . إنه ليس الدافع إلى الجهاد ولا الباعث عليه . . وكذلك التسرع بإهدار دم قبل التبين . وقد يكون دم مسلم عزيز ، لا يجوز أن يراق .
والله سبحانه يذكر الذين آمنوا بجاهليتهم القريبة وما كان فيها من تسرع ورعونة ؛ وما كان فيها من طمع في الغنيمة . ويمن عليهم أن طهر نفوسهم ورفع أهدافهم ، فلم يعودوا يغزون ابتغاء عرض الحياة الدنيا كما كانوا في جاهليتهم . ويمن عليهم أن شرع لهم حدودا وجعل لهم نظاما ؛ فلا تكون الهيجة الأولى هي الحكم الآخر . كما كانوا في جاهليتهم كذلك . . وقد يتضمن النص إشارة إلى أنهم هم كذلك كانوا يخفون إسلامهم - على قومهم - من الضعف والخوف ، فلا يظهرونه إلا عند الأمن مع المسلمين ، وأن ذلك الرجل القتيل كان يخفي إسلامه على قومه ، فلما لقي المسلمين أظهر لهم إسلامه وأقرأهم سلام المسلمين .
كذلك كنتم من قبل . فمن الله عليكم . فتبينوا . إن الله كان بما تعملون خبيرًا .
وهكذا يلمس المنهج القرآني القلوب لتحيا وتتحرج وتتذكر نعمة الله . . وعلى هذه الحساسية والتقوى ، يقيم الشرائع والأحكام ؛ بعد بيانها وإيضاحها .
وهكذا يتناول هذا الدرس تلك الجوانب من قواعد المعاملات الدولية بمثل هذا الوضوح ، ومثل هذه النظافة . منذ أربعة عشر قرنا . .
ضربتم في سبيل الله : سافرتم للغزو .
فتبينوا : فاطلبوا بيان الأمر والكشف عنه وتثبتوا .
ألقى إليكم السلام : حياكم بتحية الإسلام .
تبتغون عرض الحياة الدنيا : تطلبون متاعها الزائل ، ونعيمها الفاني : من مال وغيره .
94- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ . . . حرص الإسلام على حفظ الأعراض والأموال والدماء والعقول .
وقد ورد في كتب الصحيح وغيرها أسباب نزول هذه الآية وموجزها : أن أحد المسلمين كان في سرية للجهاد فتفرق الأعداء ، وبقي رجل في غنمه فلما أدركه المسلم ، قال الرجل : السلام عليكم إني مسلم ، فقتله المسلم ، واستاق ماله ؛ فنزلت هذه الآية ، تأمر بالتثبيت والتروي وعدم التسرع في قتل إنسان بعد إعلان إسلامه ؛ إذ ربما كان الدافع الرغبة في ماله وفي عرض الحياة الدنيا .
وقد ساق ابن جرير الطبري ثماني عشرة رواية في سبب نزول هذه الآية ، منها : ما يفيد أن القاتل هو أسامة بن زيد ، والقتيل هو مرادس بن نهيك ، ومنها : ما يفيد أن القاتل هو المقداد بن الأسود ، ومنها : ما يفيد أن القاتل غيرهما ويمكن الجمع بينهما بتعدد الأحداث ونزول الآية عقب منها .
وقد وردت روايات بهذا المعنى في البخاري والترمذي ، والحاكم ، وغيرهم .
وجاء في تفسير مقاتل بن سليمان ما يأتي :
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة ، فلقوا رجلا منهم يدعى مرادس ابن نهيك معه غنمه له وجمل أحمر ، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل ، واتبعه أسامة ، فلما بلغ مرادس الكهف ، وضع فيه غنمه ، ثم أقبل إليهم فقال : '' السلام عليكم ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله'' فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنمه ، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ قال لأسامة : ''كيف أنت ولا إله إلا الله ! '' قال : يا رسول الله ، إنما قالها متعوذا ، تعوذ بها .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ''هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه ؟ '' قال : يا رسول الله إنما قلبه بضعة من جسده {[65]} ؛ فأنزل الله خبر هذا ، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه فذلك حين يقول : تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . . .
فلما بلغ فمن الله عليكم : أي : فتاب الله عليكم ؛ حلف أسامة أن ألا يقاتل رجلا يقول : لا إله غلا الله بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه {[66]} .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . . يأيها الذين صدقوا الله وصدقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم ، إذا سيرتم مسيرة لله في جهاد أعدائكم .
فتبينوا . فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره ؛ وابحثوا عن الحقيقة ، وتثبتوا من حال من تقاتلونهم ، ولا تقدموا على قتل أحد ، إلا إذا علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله .
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ . . . ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم ، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم .
لست مؤمنا . . . أي : إنك إنما أظهرت الإسلام ، طلبا للنجاة ، بنفسك ومالك ، ولست مخلصا في إسلامك . وفي الأثر : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود : ''كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل ! '' {[67]} .
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . تريدون متاع الحياة الدنيا بالاستلاء على مال الرجل وهو متاع قليل زائل .
فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ . من رزقه وفواضل نعمه فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه .
كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْل . ُ كفارا مثلهم ، أو تستخفون بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله .
فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ . أي : هداكم الله إلى الإسلام ، أو إعلان الإيمان ، أو التوبة على الذي قتل ذلك الرجل ، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم .
فَتَبَيَّنُواْ . تكرير للأمر بالتبيين ؛ ليؤكد عليهم .
إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . فيعلم ما تخبئه النفوس ، وتضمره القلوب ، وبواعثها على العمل وغايتها التي لا تنكشف للناس .
{[22351]}ولما تبين{[22352]} بهذا المنع الشديد من قتل العمد ، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت ، وكان الأمر قد برز{[22353]} بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكداً بأنواع التأكيد ، وكان ربما التبس الحال ؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جواباً لمن كأنه قال : ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام ؟ فقال : { يا أيها الذين أمنوا } مشيراً بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب ، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى
{ وحرض المؤمنين }[ النساء : 84 ] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون{[22354]} من تحريضه صلى الله عليه وسلم وينقادون لأمره ، بما دلت عليه كلمة " إذا " في قوله تعالى{[22355]} : { إذا ضربتم } أي سافرتم وسرتم في الأرض { في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله ، لأجل وجهه خالصاً { فتبينوا } أي اطلبوا{[22356]} بالتأني والتثبت{[22357]} بيان الأمور والثبات في تلبسها{[22358]} والتوقف الشديد عند منالها{[22359]} ، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف ؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم { ولا تقولوا } قولاً فضلاً عما هو أعلى{[22360]} منه { لمن ألقى } أي كائناً من كان { إليكم السلام } أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقياً قياده{[22361]} { لست مؤمناً } أي بل متعوذ{[22362]} - لتقتلوه .
ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخاً منفراً عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل " تقولوا " { تبتغون } أي حال كونكم تطلبون طلباً حثيثاً{[22363]} بقتله { عرض الحياة الدنيا } أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل ، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله{[22364]} ؛ روى البخاري{[22365]} في التفسير{[22366]} ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :
" { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } قال : كان رجل {[22367]}في غنيمة له{[22368]} ، فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم : فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله سبحانه وتعالى في{[22369]} ذلك إلى قوله { عرض الحياة الدنيا{[22370]} } " ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد { كذلك كنتم من قبل } تخفون إيمانكم وأنتم مع المشركين ، { فمنَّ الله عليكم } وأظهر الإسلام { فتبينوا } ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله : { فعند الله } أي الذي له الجلال والإكرام { مغانم كثيرة } أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع طيبها ؛ ثم علل النهي من أصله بقوله : { كذلك } أي{[22371]} مثل هذا الذي قتلتموه بجعلكم{[22372]} إياه بعيداً عن{[22373]} الإسلام { كنتم{[22374]} } وبعّض زمان القتل - كما هو الواقع - بقوله{[22375]} : {[22376]}{ من قبل } أي{[22377]} قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام{[22378]} { فمنّ الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عليكم } أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ما أظهرتم امتثالاً لأمره سبحانه وتعالى بذلك ، فقوى أمر الإيمان{[22379]} في قلوبكم قليلاً قليلاً حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به والعز ، ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم . فإذا كان الأمر كذلك فعليكم{[22380]} أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم{[22381]} ، وهو معنى ما سبب عن الوعظ من قوله تأكيداً لما مضى إعلاماً بفظاعة{[22382]} أمر القتل : { فتبينوا } أي الأمور وتثبتوا فيها حتى تنجلي ؛ ثم علل هذا الأمر بقوله مرغباً مرهباً : { إن الله } أي المختص بأنه عالم الغيب والشهادة { كان بما تعملون خبيراً * } أي يعلم ما أقدمتم عليه عن{[22383]} تبيين و{[22384]}غيره فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم .