في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} (146)

136

فأما اليهود فقد حرم الله عليهم كل ذي ظفر من الحيوان - أي كل حيوان قدمه غير مشقوقة ؛ وذلك كالإبل والنعام والأوز والبط . وحرم كذلك شحم البقر والغنم - إلا شحم الظهر ، أو الدهن الملتف بالأمعاء ، أو ما اختلط منه بالعظم . . وكان ذلك عقوبة لهم على بغيهم بتجاوز أوامر الله وشرائعه :

( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم ، وإنا لصادقون ) والنص يبين سبب هذا التحريم ، وهو سبب خاص باليهود ، ويؤكد أن هذا هو الصدق ، لا ما يقولونه هم من أن إسرائيل ، وهو يعقوب جدهم ، هو الذي حرم هذا على نفسه فهم يتبعونه فيما حرم على نفسه . . لقد كان هذا مباحا حلالاً ليعقوب . ولكنه حرم عليهم بعد ما بغوا ، فجازاهم الله بهذا الحرمان من الطيبات .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} (146)

المفردات :

كل ذي ظفر : أي : كل ما له أصبع من الإبل ، والسباع ، والطيور .

شحومهما : جمع شحم . وهو الدهن .

إلا ما حملت ظهورهما : أي : إلا ما وجد من الشحم فوق ظهورهما .

أو الحوايا : أي : وإلا الشحوم التي تغطي الأمعاء .

أو ما اختلط بعظم : أي : وإلا ما اختلط من الشحم بعظم ، كالإلية .

ببغيهم : أي : بسبب ظلمهم .

التفسير :

وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . . . الآية .

أي : وعلى اليهود دون غيرهم بسبب ظلمهم ، حرم الله جميع ماله إصبع غير منفرج ، كالإبل والنعام والأوز والبط .

قال مجاهد : كل ذي ظفر . هو كل شيء لم تنفرج قوائمه من البهائم ، وما انفرج أكلته اليهود .

قال : انفرجت قوائم الدجاج والعصافير ، فيهود تأكله ، ولم ينفرج خف البعير ولا النعامة ، ولا قائمة الأوز ، فلا تأكل اليهود الإبل ، ولا النعام ، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته كذلك .

ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها .

والشحم : هو المادة الدهنية التي تكون في الحيوان ، وبها يكون لحمه سمينا ، والعرب تسمى سنام البعير ، وبياض البطن : شحما ، وغلب إطلاق الشحم على ما يكون فوق أمعاء الحيوان .

والمعنى : كما حرمنا على اليهود كل ذي ظفر ، فقد حرمنا عليهم كذلك من البقر والغنم شحومها الزائدة التي تنتزع بسهولة . ثم استثنى سبحانه من الشحوم المحرمة على اليهود ما يأتي :

إلا ما حملت ظهورهما .

أي : إلا الدهون التي توجد فوق ظهور البقر والغنم أو الحوايا . وهي المباعر التي يجتمع فيها البعر ، فما حملته من الشحم غير حرام .

أو ما اختلط بعظم .

ما لصق بالعظام من الشحوم في جميع مواضع الحيوان ، ومنه الإلية فإنها لاصقة بعجب الذنب . وهو آخر فقرات الظهر .

ذلك جزيناهم ببغيهم .

أي : ذلك التحريم الذي حكمنا به عليهم إنما ألزمناهم به ، بسبب بغيهم وظلمهم وتعديهم حدود الله تعالى .

قال قتادة : وإنما حرم عليهم ما ليس بخبيث عقوبة لهم وتشديدا عليهم . اه .

إن اليهود قتلوا الأنبياء وأكلوا الربا ، وأكلوا أموال الناس بالباطل كما قال تعالى :

فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . . ( النساء : 160 )

وكانوا كلما أتوا معصية ، عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم ، وهم ينكرون ويدعون أنها كانت محرمة على الأمم قبلهم .

وإنا لصادقون .

هذا إخبار من الله عز وجل بأنه صادق في كل ما بينه ، ومنه بيان صدقه فيما أحل وحرم بالنسبة لليهود .

ولما حرم الله الشحوم على اليهود ، تحايلت على ذلك فأذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها ، وما حرم الله شيئا إلا حرم بيعه ، وحرم أكل ثمنه ، مثل : الخمر والميتة والخنزير والأصنام .

جاء في تفسير ابن كثير : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لعن الله اليهود – ثلاثا – إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا عليهم ثمنه ( 11 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} (146)

ولما كان قوله { طاعم } نكرة في سياق النفي ، يعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم ، وكان سبحانه قد حرم على اليهود{[31545]} أشياء غير ما تقدم ، اقتضت إحاطة العلم أن قال مبيناً لإحاطة علمه وتكذيباً لليهود{[31546]} في قولهم : لم يحرم الله علينا شيئاً ، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه : { وعلى الذين هادوا } أي اليهود { حرمنا } بما لنا من العظمة التي لا تدافع { كل ذي ظفر } أي على ما هو كالإصبع للآدمي من{[31547]} الإبل و{[31548]} السباع والطيور التي تتقوى بأظفارها { ومن البقر والغنم } أي التي هي ذوات الأظلاف { حرمنا } أي بما لنا من العظمة { عليهم شحومهما } أي الصنفين ؛ ثم استثنى فقال : { إلا ما حملت ظهورهما } أي من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما{[31549]} { أو الحوايا } وهي الأمعاء التي هي متعاطفة متلوية ، جمع حوية فوزنها فعائل{[31550]} كسفينة وسفائن ، وقيل : جمع حاوية أو حاوياء{[31551]} كقاصعاء { أو ما اختلط } أي من{[31552]} الشحوم { بعظم } مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم ، وهذا السياق بتقدم{[31553]} الجار وبناء الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من الصنفين حلال لهم .

ولما كان كأنه قيل : لم حرم عليهم هذه الطيبات ؟ قيل : { ذلك } أي التحريم العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات{[31554]} { جزيناهم } أي بما لنا من العظمة { ببغيهم } أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود ، و{[31555]} في إيلاء هذه الآية - التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان : أحدهما بيان اطلاعه صلى الله عليه وسلم على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحداً من أتباعهم ولا دارس عالماً ولا درس علماً قط ، فلا دليل على صدقه على الله أعظم{[31556]} من ذلك ، والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم ، وأزال عنها في تلك الحالة{[31557]} ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم ، وفي ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما نبه عليه{[31558]} في قوله

{ غير محلي الصيد وأنتم حرم }[ المائدة : 1 ] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبق لمتعنت كلام ، فحسن جداً ختم ذلك بقوله { وإنا لصادقون * } أي ثابت صدقنا أزلاً وأبداً كما اقتضاه ما لنا من العظمة ،


[31545]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31546]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31547]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31548]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31549]:زيد من ظ.
[31550]:سقط منى ظ.
[31551]:من ظ، وفي الأصل: عاريا- كذا.
[31552]:زيد من ظ.
[31553]:في ظ: بتقديم.
[31554]:زيد من ظ.
[31555]:زيد من ظ.
[31556]:من ظ، وفي الأصل: لم يعظم- كذا.
[31557]:سقط من ظ.
[31558]:من ظ، وفي الأصل: إليه.