في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

37

وبعد ، فإذا كان أولئك المفترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار

ويتخاصمون ، وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد ، بعد أن كانوا أصفياء أولياء . . فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون متصافون متوادون ، يرف عليهم السلام والولاء :

( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) . .

فهم بشر . وهم عاشوا بشراً . وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه ، وغل يغالبونه ويغلبونه . . ولكن تبقى في القلب منه آثار .

قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن : قال رسول الله - [ ص ] : " الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين " . . وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) . .

وإذا كان أهل النار يصطلون النار من تحتهم ومن فوقهم . فأهل الجنة تجري من تحتهم الأنهار ؛ فترف على الجو كله أنسام :

( تجري من تحتهم الأنهار ) . .

وإذا كان أولئك يشتغلون بالتنابز والخصام ، فهؤلاء يشتغلون بالحمد والاعتراف :

( وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) . . وإذا كان أولئك ينادون بالتحقير والتأنيب : ( ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ) . . فإن هؤلاء ينادون بالتأهيل والتكريم :

( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) . .

إنه التقابل التام بين أصحاب الجنة وأصحاب النار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

المفردات :

غل : حقد وضغن وعداوة .

أورثتموها : أورثكم الله إياها .

التفسير :

ونزعنا ما في صدورهم من غل . . . الآية .

ينزع الله ما في قلوبهم من حقد بعضهم على بعض ، حتى تصفوا قلوبهم ويود بعضهم بعضا ، فإن الغل لو بقى في صدورهم كما كان في الدنيا ؛ لكان في ذلك تنغيص لنعيم الجنة ؛ لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهم عيش مه وجود الآخر .

والغل : الحقد الكامن في الصدور ، وقيل : نزع الغل في الجنة : ألا يحسد بعضهم في تفاضل المنازل .

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن ( 47 ) :

( وعلام يتباغضون ؟ ! والخير يملأ كل ما حولهم ، ليس لأحد منهم حاجة في شيء إلا وجدها بين يديه ؛ فليس فيهم غني وفقير ، وشقي وسعيد ، إذ كلهم أغنياء من فضل الله سعداء برحمته ورضوانه ) .

تجري من تحتهم النهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا .

هم ينعمون في غرفهم والأنهار تجري من تحتهم ، وهم يلهجون بشكر ربهم ، الذي هداهم إلى الإيمان ووفقهم لمرضاة الله ، والفوز بهذا النعيم العظيم .

وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . أي : ما كنا نطيق أن نهتدي بهذا لأمر لولا هداية الله لنا .

لقد جاءت رسل ربنا بالحق . أي : قالوا ذلك اغتباطا بما صاروا فيه من نعمة .

ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون .

نادى المنادي من قبل الله تعالى لأهل الجنة ؛ تهنئة لهم بنعمة الله عليهم ، هذه هي الجنة وجبت لكم ، وحقت كما يحق الميراث لوارثه ، وقد ورثتموها بسبب أعمالكم في الدنيا ، وهذا من فضل الله ، فالعمل الصالح لا يؤهل لدخول الجنة وحده ، وإنما يدخل الناس الجنة بفضل الله تعالى . ويقتسمونها بأعمالهم في الدنيا .

روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لن يدخل أحدا عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته ، فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت ، إما محسنا فلعله أن يزداد في إحسانه ، وإما مسيئا فلعله أن يتوب ) ( 48 ) .

فأعمال الإنسان مهما عظمت لا تكافئ نعمة واحدة من الله على الإنسان ، وهي نعمة البصر .

والجنة جزاء عظيم ، والعمل مهما عظم ، فهو ثمن ضئيل لعظمة دخول الجنة .

ثم إن الله هو المتفضل على الإنسان بالتوفيق للعمل الصالح ، والمتفضل عليه بدخول الجنة .

قال ابن عباس : أنفس هو خالقها ؛ وأموال هو رازقها ، يطلبها منا ثم يمنحنا عليها الجنة إنها لصفقة رابحة .

وهذا عند تفسيره لقوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن . . . الآية ( التوبة : 111 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (43)

ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال : { ونزعنا } أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء { ما{[32255]} } كان في الدنيا { في صدورهم من غل } أي ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل ، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب ، ومن الغلول ، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ، ويقال : غل في الشيء{[32256]} وتغلغل فيه - إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد ، حتى أن صاحب الدرجة السافلة لا يحسد صاحب{[32257]} العالية .

ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلاّ بطيب القرار باحكام الدار ، وكان الماء{[32258]} سبب العمارة وطيب المنازل ، وكان الجاري منه أعم نفعاً وأشد استجلاباً للسرور{[32259]} قال تعالى { تجري من } وأشار إلى علوهم بقوله{[32260]} : { تحتهم الأنهار } فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون{[32261]} عنه الرياض والأشجار{[32262]} وكل ما به حسن الدار ، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب للزيادة بقوله : { وقالوا الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة لذاته لا لشيء آخر ؛ ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه أيضاً ، فقالوا معلمين أنه{[32263]} لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في الأولى والأخرى : { الذي هدانا } أي بالبيان والتوفيق ، وأوقعوا الهداية على ما وصلوا إليه إطلاقاً للمسبب على السبب{[32264]} { لهذا } أي للعمل{[32265]} الذي أوصلنا إليه { وما } أي والحال أنا ما { كنا لنهتدي } أصلاً لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك { لولا أن هدانا الله } أي الذي له الأمر كله ، وقراءة{[32266]} ابن عامر بغير واو على أن الجملة موضحة لما قلبها ، والقراءتان دامغتان للقدرية .

ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيماناً بالغيب من باب علم اليقين ، أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين{[32267]} اليقين سروراً وتبجحاً لا تعبداً ، وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم{[32268]} مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله : { لقد جاءت رسل ربنا } أي المحسن إلينا { بالحق } أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي لا زوال له .

ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله ، عطف على قولهم قوله{[32269]} مانّاً عليهم بقبول أعمالهم ، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : { ونودوا } أي إتماماً لنعيمهم { أن } هي المخففة من الثقيلة أو{[32270]} هي المفسرة { تلكم الجنة } العالية { أورثتموها } أي صارت إليكم {[32271]}من غير{[32272]} تعب ولا منازع { بما } أي بسبب ما { كنتم تعملون* }{[32273]} لأنه سبحانه جعله سبباً {[32274]}ظاهرياً بكرمه{[32275]} ، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم{[32276]} من توفيقه .


[32255]:- تأخر في الأصل عن "في الدنيا" والترتيب من ظ.
[32256]:- من ظ، وفي الأصل: السعي.
[32257]:- زيد من ظ.
[32258]:- سقط من ظ.
[32259]:- في ظ: بالسرور.
[32260]:- زيد بعده في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32261]:- في ظ: تكون.
[32262]:- من ظ، وفي الأصل: الإيجاب-كذا.
[32263]:- في ظ: لأنه.
[32264]:-زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32265]:- من ظ، وفي الأصل: العمل.
[32266]:- في ظ: قرا.
[32267]:- في ظ: علم.
[32268]:- في ظ: بقوله.
[32269]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32270]:- في ظ "و".
[32271]:- في ظ: بغير.
[32272]:- في ظ: بغير.
[32273]:- زيد بعده في الأصل: أي إتماما لنعيمهم، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32274]:- زيد بعده في الأصل: أي إتماما لنعيمهم، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32275]:- زيد من ظ.
[32276]:- زيد من ظ.