وبعد ، فإذا كان أولئك المفترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار
ويتخاصمون ، وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد ، بعد أن كانوا أصفياء أولياء . . فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون متصافون متوادون ، يرف عليهم السلام والولاء :
( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) . .
فهم بشر . وهم عاشوا بشراً . وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه ، وغل يغالبونه ويغلبونه . . ولكن تبقى في القلب منه آثار .
قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن : قال رسول الله - [ ص ] : " الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين " . . وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) . .
وإذا كان أهل النار يصطلون النار من تحتهم ومن فوقهم . فأهل الجنة تجري من تحتهم الأنهار ؛ فترف على الجو كله أنسام :
وإذا كان أولئك يشتغلون بالتنابز والخصام ، فهؤلاء يشتغلون بالحمد والاعتراف :
( وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) . . وإذا كان أولئك ينادون بالتحقير والتأنيب : ( ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ) . . فإن هؤلاء ينادون بالتأهيل والتكريم :
أورثتموها : أورثكم الله إياها .
ونزعنا ما في صدورهم من غل . . . الآية .
ينزع الله ما في قلوبهم من حقد بعضهم على بعض ، حتى تصفوا قلوبهم ويود بعضهم بعضا ، فإن الغل لو بقى في صدورهم كما كان في الدنيا ؛ لكان في ذلك تنغيص لنعيم الجنة ؛ لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهم عيش مه وجود الآخر .
والغل : الحقد الكامن في الصدور ، وقيل : نزع الغل في الجنة : ألا يحسد بعضهم في تفاضل المنازل .
قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن ( 47 ) :
( وعلام يتباغضون ؟ ! والخير يملأ كل ما حولهم ، ليس لأحد منهم حاجة في شيء إلا وجدها بين يديه ؛ فليس فيهم غني وفقير ، وشقي وسعيد ، إذ كلهم أغنياء من فضل الله سعداء برحمته ورضوانه ) .
تجري من تحتهم النهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا .
هم ينعمون في غرفهم والأنهار تجري من تحتهم ، وهم يلهجون بشكر ربهم ، الذي هداهم إلى الإيمان ووفقهم لمرضاة الله ، والفوز بهذا النعيم العظيم .
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . أي : ما كنا نطيق أن نهتدي بهذا لأمر لولا هداية الله لنا .
لقد جاءت رسل ربنا بالحق . أي : قالوا ذلك اغتباطا بما صاروا فيه من نعمة .
ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون .
نادى المنادي من قبل الله تعالى لأهل الجنة ؛ تهنئة لهم بنعمة الله عليهم ، هذه هي الجنة وجبت لكم ، وحقت كما يحق الميراث لوارثه ، وقد ورثتموها بسبب أعمالكم في الدنيا ، وهذا من فضل الله ، فالعمل الصالح لا يؤهل لدخول الجنة وحده ، وإنما يدخل الناس الجنة بفضل الله تعالى . ويقتسمونها بأعمالهم في الدنيا .
روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لن يدخل أحدا عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته ، فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت ، إما محسنا فلعله أن يزداد في إحسانه ، وإما مسيئا فلعله أن يتوب ) ( 48 ) .
فأعمال الإنسان مهما عظمت لا تكافئ نعمة واحدة من الله على الإنسان ، وهي نعمة البصر .
والجنة جزاء عظيم ، والعمل مهما عظم ، فهو ثمن ضئيل لعظمة دخول الجنة .
ثم إن الله هو المتفضل على الإنسان بالتوفيق للعمل الصالح ، والمتفضل عليه بدخول الجنة .
قال ابن عباس : أنفس هو خالقها ؛ وأموال هو رازقها ، يطلبها منا ثم يمنحنا عليها الجنة إنها لصفقة رابحة .
وهذا عند تفسيره لقوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن . . . الآية ( التوبة : 111 ) .
ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال : { ونزعنا } أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء { ما{[32255]} } كان في الدنيا { في صدورهم من غل } أي ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل ، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب ، ومن الغلول ، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ، ويقال : غل في الشيء{[32256]} وتغلغل فيه - إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد ، حتى أن صاحب الدرجة السافلة لا يحسد صاحب{[32257]} العالية .
ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلاّ بطيب القرار باحكام الدار ، وكان الماء{[32258]} سبب العمارة وطيب المنازل ، وكان الجاري منه أعم نفعاً وأشد استجلاباً للسرور{[32259]} قال تعالى { تجري من } وأشار إلى علوهم بقوله{[32260]} : { تحتهم الأنهار } فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون{[32261]} عنه الرياض والأشجار{[32262]} وكل ما به حسن الدار ، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب للزيادة بقوله : { وقالوا الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة لذاته لا لشيء آخر ؛ ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه أيضاً ، فقالوا معلمين أنه{[32263]} لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في الأولى والأخرى : { الذي هدانا } أي بالبيان والتوفيق ، وأوقعوا الهداية على ما وصلوا إليه إطلاقاً للمسبب على السبب{[32264]} { لهذا } أي للعمل{[32265]} الذي أوصلنا إليه { وما } أي والحال أنا ما { كنا لنهتدي } أصلاً لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك { لولا أن هدانا الله } أي الذي له الأمر كله ، وقراءة{[32266]} ابن عامر بغير واو على أن الجملة موضحة لما قلبها ، والقراءتان دامغتان للقدرية .
ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيماناً بالغيب من باب علم اليقين ، أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين{[32267]} اليقين سروراً وتبجحاً لا تعبداً ، وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم{[32268]} مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله : { لقد جاءت رسل ربنا } أي المحسن إلينا { بالحق } أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي لا زوال له .
ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله ، عطف على قولهم قوله{[32269]} مانّاً عليهم بقبول أعمالهم ، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : { ونودوا } أي إتماماً لنعيمهم { أن } هي المخففة من الثقيلة أو{[32270]} هي المفسرة { تلكم الجنة } العالية { أورثتموها } أي صارت إليكم {[32271]}من غير{[32272]} تعب ولا منازع { بما } أي بسبب ما { كنتم تعملون* }{[32273]} لأنه سبحانه جعله سبباً {[32274]}ظاهرياً بكرمه{[32275]} ، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم{[32276]} من توفيقه .