في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق اللّه وحق رسوله ، تطوعاً ورضا وإسلاماً ، يقرر أن الأمر -مع ذلك - ليس أمر الرسول ؛ إنما هو أمر اللّه وفريضته وقسمته ، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين . فهذه الصدقات - أي الزكاة - تؤخذ من الأغنياء فريضة من اللّه ، وترد على الفقراء فريضة من اللّه . وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن ، وليست متروكة لاختيار أحد ، حتى ولا اختيار الرسول :

( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل . فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم ) . .

وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة اللّه ، ومكانها في النظام الإسلامي ، لا تطوعاً ولا تفضلا ممن فرضت عليهم . فهي فريضة محتمة . ولا منحة ولا جزافاً من القاسم الموزع . فهي فريضة معلومة . إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة . وهي ليست إحساناً من المعطي وليست شحاذة من الآخذ . . كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول ، ولن يقوم !

إن قوام الحياة في النظام الإسلامي هو العمل - بكل صنوفه وألوانه - وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه ، وأن تمكنه منه بالإعداد له ، وبتوفير وسائله ، وبضمان الجزاء الأوفى عليه ، وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة ، فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين ، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع ؛ متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح ، منفذاً شريعة اللّه ، لا يبتغي له شرعاً ولا منهجاً سواه .

عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه - [ ص ] - : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " .

وعن عبداللّه بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - [ ص ] - يسألانه من الصدقة ، فقلب فيهما البصر ، فرآهما جلدين ، فقال : " إن شئتما أعطيتكما . ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " .

إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام . وهذا النظام أشمل وأوسع كثيراً من الزكاة ؛ لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها ، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها ، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط :

والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال . وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيهاً فائضة عن حاجته يحول عليها الحول . وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة . ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا ، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين . والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية ، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون .

وإن كثيراً ممن يؤدون الزكاة في عام ، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة . بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم . فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي . وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها . فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي . . وهي قبل هذا وذاك فريضة من اللّه ، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها اللّه ، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء .

( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) . . وقد سبق بيانهما .

( والعاملين عليها ) . . أي الذين يقومون على تحصيلها .

( والمؤلفة قلوبهم ) . . وهم طوائف ، منهم الذين دخلوا حديثاً في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه . ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا . ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون . . وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام . . ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيراً من الحالات ، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه ؛ إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم ، وإما تقريباً لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك . ندرك هذه الحقيقة ، فنرى مظهراً لكمال حكمة اللّه في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال .

( وفي الرقاب ) . . ذلك حين كان الرق نظاماً عالمياً ، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم . ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق . . وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له ، ليحصل على حريتهبمساعدة قسطه من الزكاة . أو بشراء رقيق وإعتاقهم بمعرفة الدولة من هذا المال .

( والغارمين ) . . وهم المدينون في غير معصية . يعطون من الزكاة ليوفوا ديونهم ، بدلاً من إعلان إفلاسهم كما تصنع الحضارة المادية بالمدينين من التجار مهما تكن الأسباب ! فالإسلام نظام تكافلي ، لا يسقط فيه الشريف ، ولا يضيع فيه الأمين ، ولا يأكل الناس بعضهم بعضاً في صورة قوانين نظامية ، كما يقع في شرائع الأرض أو شرائع الغاب !

( وفي سبيل اللّه ) . . وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة ، تحقق كلمة اللّه .

( وابن السبيل ) . . وهو المسافر المنقطع عن ماله ، ولو كان غنياً في بلده .

هذه هي الزكاة التي يتقول عليها المتقولون في هذا الزمان ، ويلمزونها بأنها نظام تسول وإحسان . . هذه هي فريضة اجتماعية ، تؤدى في صورة عبادة إسلامية . ذلك ليطهر اللّه بها القلوب من الشح ؛ وليجعلها وشيجة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة ، تندّي جو الحياة الإنسانية ، وتمسح على جراح البشرية ؛ وتحقق في الوقت ذاته التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي في أوسع الحدود . وتبقى لها صفة العبادة التي تربط بين القلب البشري وخالقه ، كما تربط بينه وبين الناس :

( فريضة من اللّه ) الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، ويدبر أمرها بالحكمة :

( واللّه عليم حكيم ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( 60 ) } .

المفردات :

للفقراء : جمع فقير وهو من لا مال له ، أو له مال لا يقع موقعا من كفايته .

والمساكين : جمع مسكين ، وهو من لا مال له ، أو له مال يقع موقعا من كفايته ، فالفقير أسوأ حالا من المسكين وبالعكس .

التفسير :

60 – { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .

المناسبة :

جاءت هذه الآية وسط الحديث عن المنافقين ؛ ذلك أن المنافقين كانوا ينتظرون أن توزع عليهم الزكاة ، فإذا أعطاهم النبي منها ؛ رضوا وشكروا ، وإذ لم يعطهم ؛ غضبوا وسخطوا .

وفي الآية 58 من سورة التوبة : { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } .

قال الشوكاني في تفسيره : " لما لمز المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات ؛ بين الله لهم مصرفها ؛ دفعا لطعنهم وقطعا لشغبهم . عن زيادة بن الحرث قال : " أتى النبي رجل فقال : أعطني من الصدقة فقال له : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات ، حتى حكم هو فيها ؛ فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " . اه .

وكنت ألّفت كتابا في فقه العبادات ، أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1971 م ، وصدرت منه عدة طبعات بعد ذلك تحدثت فيه عن الزكاة وذكرت فقرة عن مصارف الزكاة ، رأيت أن أنقلها في هذا المكان .

مصارف الزكاة

لم يترك الإسلام أمر الزكاة إلى تقدير ولى الأمر بل بين المصارف وعينها بالنص القرآني الذي لا يقبل التأويل قال تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } . ( التوبة : 60 ) . هذا هو النص القرآني المحكم الذي عدد أصناف المستحقين للزكاة102 ولنبين كل صنف بكلمة موضحة :

أولا : الفقراء : وهم الذين لا يملكون أموالا يزكون عنها ، أي : أن أموالهم لا تبلغ النصاب وإنما لديهم قليل من المال لا يكفي لكل حاجاتهم ، وقيل : من لا يملكون قوت يوم وليلة .

ثانيا : المساكين : قيل في تفسير المسكين : السائل . وقيل : بأن المسكين أشد حاجة من الفقير ، وروى عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس : إن الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب ، ويزكى هذا الرأي أن عمر بن الخطاب فسر المساكين : بضعفاء أهل الكتاب ، فإنه يروى أنه رأى ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر رضي الله عنه : ملك ؟ قال : استكرهوني في هذه الجزية ، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود على شيء ! فقال الفاروق : ما أنصفت إذن ! وأجرى له ما يقوته وما يصلحه ، وقال : هذا من الذين قال الله فيهم : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } . وهم زمني أهل الكتاب أي : ذوو العاهات المانعة من الكسب ، والمرضى بمرض لا يرجى البرء منه .

ونرى من هذا أن الزكاة على هذا التفسير تعطي لمساكين أهل الذمة العاجزين عن الكسب ؛ وهو غير ما عليه جمهور الفقهاء الذين يرون أن الزكاة لا تعطى لغير المسلمين .

ثالثا : { العاملين عليها } : وهم الذين يعملون في الزكاة في جمعها من أربابها وتوزيعها على مستحقيها وهم يعطون على قدر أعمالهم ، وكفاية أمثالهم ، ولأن العمل في الزكاة له أجر والأجير يأخذ سواء أكان غنيا أم فقيرا .

رابعا : { المؤلفة قلوبهم } : وهم قوم يعطون من الزكاة ؛ تأليفا لقلوبهم أو قلوب ذويهم ، أو تمكينا للإسلام في قلوبهم . أو قلوب ذويهم ، وقد قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية : " والمؤلفة قلوبهم أربعة أصناف : صنف منهم تتألف قلوبهم ؛ لمعونة المسلمين ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ للكف عن المسلمين ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ لترغيبهم في الإسلام ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ ترغيبا لقومهم وعشائرهم في الإسلام فيجوز أن يعطى كل واحد من هذه الأصناف من سهم المؤلفة قلوبهم مسلما كان أو مشركا " .

وعطاء هؤلاء من قبيل الدفاع عن الإسلام له ، فإعطاء المؤلفة قلوبهم هو من قبيل ما نسميه اليوم( الدعاية ) ، ولذلك كان حقا أن نجعل من مصارف الزكاة تمويل الدعاية للإسلام ، وبيان مزاياه ، وخواصه ؛ ليعلم حقيقته من لم يكن يعلم .

خامسا : { في الرقاب } : أي : في فك أسر الأرقاء ، فقد كان من عادة العرب أن يعين الواحد لرقيقه مالا إذا أداه له ؛ تحرر من أسره . فأمر الله الحكومة الإسلامية أن تمد هؤلاء الأسرى بأموال الزكاة ؛ ليتحرروا من رقهم ، وقد ذهب الرق تقريبا من العالم .

ونريد أن نسجل في هذا المقام أن الدولة الإسلامية هي أول دولة حاربت الرق في الوجود وحسبها أن جعلت جزءا من ميزانيتها لفك الرقاب ، ولم يذكر التاريخ أي نظام سياسي أو فلسفي سبق الإسلام في ذلك .

سادسا : { الغارمين } : وهم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم ، وهم ثلاثة أقسام :

1 – قسم يستدين في سفاهة وإسراف ؛ لينفق في المحلل والمحرم والأكثرون من الفقهاء يرون أن هذا يوفى عن دينه ، إلا إذا تاب وصار من أهل الصلاح والتقى والتدبير .

2 – من استدان لصالح نفسه كتاجر لزمته ديون في تجارته وهو يحسن تدبيرها ولكن اضطرب الميزان الاقتصادي ، وأحاط الدين بماله ولم يف ما عنده من المال بدينه فما بقي من ديون بعد ذلك عليه يسدد من الزكاة .

3 – من ركبه دين في مصلحة عامة لا لمصلحة نفسه ، كمن تحمل ديات للصلح بين الناس ، فقد قال الفقهاء : إنه يسدد عنه دينه ، ولو كان غنيا يبقى له بعد سداد الدين من ماله نصاب ، وهذا للتشجيع على المروءة والصلح بين الناس .

وإذا مات مدين وليس في تركته ما يفي بدينه يؤدى باقي دينه من مال الزكاة .

والجدير بالذكر : أن الإسلام يجعل الديون العادلة تؤدى من بيت مال الزكاة ، وبهذا سبق الشرائع الإنسانية كلها سبقا بعيدا ، وخصوصا الشرائع التي عاصرت نشأته ، وحسبك أنك تعلم أن القانون الروماني103 في بعض أدواره كان يسوغ للدائن أن يسترق المدين ، أما الإسلام فقد جعل دين المعسر تؤديه الدولة عنه وفي ذلك تشجيع للناس على المروءة والقرض الحسن ؛ لأن صاحب المال إن علم أن ماله لن يضيع أبدا ؛ أقرض القرض الحسن . ويصحب القياس على ذلك أن يقرض من مال الزكاة القرض الحسن ؛ لأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدى فأولى أن تعطى منها القروض الخالية من الربا ؛ لترد إلى بيت المال .

سابعا : { ابن السبيل } : والمراد به : المسافر الذي لا يجد مالا يوصله إلى وطنه ، فإنه يعطى من مال الزكاة ما يوصله إلى وطنه .

وأما إذا كان غنيا فيعطيه بيت المال قرضا ليسترد ما أعطاه عند الرجوع إلى أهله وذويه .

ثامنا : { في سبيل الله } : والمراد به : الصرف على الغزاة والمرابطين لحماية الثغور فينفق من الزكاة على الجيش وكل ما يتصل به ما دام الجيش يجاهد في سبيل الله .

ولقد فسر بعض الفقهاء كلمة { في سبيل الله } بما يعم كل مصالح المسلمين ، فقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي ما نصه :

" واعلم أن ظاهر اللفظ لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل " القفال " في تفسيره عن بعض الفقهاء : أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير : من تكفين الموتى ، وبناء الحصون ؛ وعمارة المساجد ؛ لأن قوله تعالى : { في سبيل الله } عام في الكل " .

ويشمل في سبيل الله إعداد دعاة إلى الإسلام والإنفاق عليهم لإظهار جمال الإسلام وسماحته وتبليغ أحكامه والرد على خصومه ، والإنفاق على الكتب التي تتولى هذه المهمة .

ويجوز إعطاء الزكاة للمؤسسات الخيرية : كالمستوصفات الخيرية ، والمياتم ، والمدارس الخيرية ؛ لأن هذه المؤسسات جعلت لصالح الطبقة الفقيرة .

هل تصرف الزكاة على جميع مستحقيها ؟ يرى جمهور الفقهاء خلافا للشافعي أنه لا يلزم المزكى استيعاب كل مصارف الزكاة ، بل في أيها وضعت أجزأت ، ويلزم الإمام العناية بالأهم اجتماعيا فالمهم .

حكمة الزكاة

1 – الزكاة فريضة واجبة ، وسبيل إلى علاج الشح والبخل ، وارتقاء بالنفس والروح والوجدان ؛ حيث يعطى المؤمن ماله ، ويدخره لينفعه في قبره ، أو في يوم القيامة ؛ فهو فعلا ادخار في بنك الآخرة ، وتغذية لرصيدنا الحقيقي ؛ فإن مالك ما أنفقت ؛ ومال وارثك ما أبقيت .

2- الزكاة علاج متعيّن ؛ لإزالة حب الدنيا عن القلب ، وكسر شدة الميل إلى المال ، والمنع من انصراف النفس بالكلية إليه ، وهو المراد من قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } . ( التوبة : 103 ) .

3 – تربية النفس عن طريق الشعور بآلام الآخرين ، والإحسان إلى الناس ، والسعي في إيصال الخيرات إليهم ، ودفع الآفات عنهم ، وهذا من صفات الله وفي الحديث الشريف : " تخلّقوا بأخلاق الله " .

4 – توفير محبة الفقراء للأغنياء ، والدعاء لهم ببقاء النعمة ، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " 104 .

5 – الحد من ارتكاب الجرائم ، ومن اللحاق بالأعداء ، فلو لم ينفق الأغنياء على الفقراء ؛ لأقدم الفقراء على الأفعال المنكرة كالسرقة أو على الالتحاق بأعداء المسلمين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاداً إلى النجاة ، علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها{[36582]} وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو{[36583]} تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبراً {[36584]}بأداة القصر على ما ذكر : { إنما الصدقات } أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده ، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم ، فلذا قال الشافعي : إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به ، فقال : { للفقراء } أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعاً من كفايتهم { والمساكين } أي الذين لا كفاية لهم بدليل{ أما السفينة }{[36585]}[ الكهف : 79 ] وأما{ مسكيناً ذا متربة }{[36586]}[ البلد : 16 ] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه { والعاملين عليها } أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها { والمؤلفة قلوبهم } أي{[36587]} ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : " بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فقسمه بين أربعة وقال : أتألفهم ، فقال رجل : ما عدلت ! فقال : يخرج من ضئضىء{[36588]} هذا قوم يمرقون من الدين . وفي رواية : فاستأذنه رجل{[36589]} في ضرب عنقه فقال : لا ، دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث . ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد{[36590]} " ولا يقال : إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام الخضري - كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعلى{[36591]} منها بنفسه أو بأحد من أمته .

ولما فرغ من هذه{[36592]} الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا ، كما دل عليه التعبير باللام ، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير{[36593]} ب " في " فقال : { وفي الرقاب } أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق { والغارمين } أي الذين استدانوا في غير معصية ، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط { وفي } أي والمجاهدين في { سبيل الله } أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة بالسلاح وغير ذلك ، ونقل القفال{[36594]} عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن بلده ، يعطى ما يوصله إليه ، ففيه إشارة{[36595]} إلى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقاً ، فإنا قد عينّا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف عند ما يرضينا ، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط ، وقد فرض ذلك ، أو ثابتة{[36596]} للفقراء حال كونها { فريضة } كائنة { من الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح ، وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين { حكيم* } أي فهو يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها ؛ قال أبو حيان : " إنما " إن{[36597]} كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها ، وإن كانت{[36598]} لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به ، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه .

وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب{[36599]} الإعراض عن الله المعطي له ، فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات ، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو احتمالاً- كان هناك سببان للتسلط على المال : أحدهما اكتساب المالك له ، والثاني احتياج الآخذ إليه ، فروعي السببان بقدر الإمكان ، ورجح المالك بإبقاء الكثير ، وصرف إلى الآخذ اليسير . وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال : إن أخرجها ذو المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة الأصناف ، وإن قسم الإمام فعلى سبعة ، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس ، ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه على الباقين{[36600]} ويستوي بين الأصناف لا بين آحاد الصنف . وقال{[36601]} أبو حنيفة : يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية أوجبت أن لا تخرج الصدقة عنهم ، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران{[36602]} .


[36582]:زيد من ظ.
[36583]:في ظ "و".
[36584]:ومن هنا تعرض الأصل لنقص صفحتين كاملتين: 512 و513، فسددة هذا النقص بنسخة ظ.
[36585]:سورة 18 آية 79.
[36586]:سورة 90 آية 16.
[36587]:في ظ: أو.
[36588]:والضئضئ: النسل.
[36589]:ورواية البغوي في المعالم تنص على أنه عمر بن الخطاب ـ راجع هامش لباب التأويل 3/88.
[36590]:وهذه الرواية قد خرجها في كنز العمال ـ قتل الخوارج.
[36591]:في ظ: على ـ كذا.
[36592]:تأخر في ظ عن "الأصناف".
[36593]:ما بين الحاجزين زدناه لاستقامة العبارة، وهو أقرب نسج على منوال المؤلف، وقال في لباب التأويل 3/92: وهي أن الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات فيصرفون ذلك فيما شاؤا، وأما الرقاب فيوضع نصيبهم في تخلي رقابهم من الرق ولا يدفع إليهم ولا يمكنون من التصرف فيه.
[36594]:والمشهور بالقفال في الفقهاء الشافعية سعيد بن عمر النجار وعبد الله بن أحمد المروزي ومحمد بن علي الشاشي وابنه القاسم بن محمد بن علي الشاشي.
[36595]:زدناه لتعديل العبارة.
[36596]:في ظ: تايبه ـ كذا.
[36597]:زيد من البحر المحيط 5/57.
[36598]:زيد من البحر المحيط 5/57.
[36599]:في ظ: يعجب.
[36600]:في ظ: البقين ـ كذا، والمسألة مذكورة في الزكاة من كتاب الأم.
[36601]:في ظ: قا ـ كذا.
[36602]:راجع البحر 5/57 و58.