في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

ثم يعود لاستنكار مبدأ التعاهد بأسبابه التاريخية والواقعية ؛ بعد استنكاره بأسبابه العقيدية والإيمانية ؛ ويجمع بين هذه وتلك في الآيات التالية :

( كيف ? وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ، اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله ، إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، وأولئك هم المعتدون ) . .

كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، وهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن التغلب عليكم . ولو ظهروا عليكم وغلبوكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم وبينكم ، وفي غير ذمة يرعونها لكم ؛ أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم ! فهم لا يرعون عهدا ، ولا يقفون كذلك عند حد في التنكيل بكم ؛ ولا حتى الحدود المتعارف عليها في البيئة والتي يذمون لو تجاوزوها . فهم لشدة ما يكنونه لكم من البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم ، لو أنهم قدروا عليكم . مهما يكن بينكم وبينهم من عهود قائمة . فليس الذي يمنعهم من أي فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود ؛ إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم ! . . وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد . فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد ؛ وتأبى أن تقيم على العهد ؛ فما بهم من وفاء لكم ولا ود !

( وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله . إنهم ساء ما كانوا يعملون ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

المفردات :

يظهروا عليكم : يغلبوكم .

لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة : لا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا .

8 – { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } .

في تكرار الاستفهام بكيف ، تكرار وتأكيد لاستبعاد ثباتهم على العهد ، وحذف الفعل ؛ لكونه معلوما ، أي : كيف يكون لهم عهد .

والمعنى : كيف يكون للمشركين عهد معتد به ، ومراعاة لأحكامه عند الله وعند رسوله ، والحال أنهم إن يظهروا عليكم أيها المؤمنون ، ويظفروا بكم ويغلبوكم .

{ لا يرقبوا فيكم } . لا يراعوا في شأنكم .

{ إلا ولا ذمة } . أي : قرابة ولا عهدا .

قال ابن جرير الطبري بعد أن ساق أقوالا في معنى الإلّ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : والإل : اسم يشتمل على معان ثلاثة وهي : العهد والعقد ، والحلف ، والقرابة . . . .

وإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك معانيها الثلاثة .

وقال الدكتور/ حمد سيد طنطاوي ، في تفسير الآية .

والمعنى : بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، والحال المعهود منهم ، أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم ، لا يراعوا في أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ، ولا حقا من الحقوق . اه .

وجاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :

فإذا كانوا لا يرعون عهودهم وقرابتهم معكم ، فكيف تحافظون على عهود ضيعوها ونكثوها ، وشرط وجوب مراعاة حقوق العهد ، أن تكون محترمة من المتعاقدين ، فإن ضيعها أحدهما ؛ حل للآخر معاملته بالمثل .

{ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون } .

أي : يقولون بألسنتهم ، ما فيه مجاملة ومحاسبة لكم ؛ طلبا لمرضاتكم ، وتطيب قلوبكم ، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه ، وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم .

قال الزمخشري :

{ وأكثرهم فاسقون } . متمردون خلعاء ، لا مروءة تمنعهم ، ولا شمائل مرضية . تردعهم . اه .

وتخصيص الأكثر بوصف الفسق والغدر ، لما في بعض الكفرة من البعد عن الغدر ، والتعفف عما يؤدى إلى سوء الأحدوثة ، وقبح السيرة .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي :

وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين ، وصفا في نهاية الذم والقبح ؛ لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا ، وأسرفوا في الإيذاء ، نابذين كل عهد وقرابة وعرف . . .

أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين ، الذي تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة . أي : أن الغدر ملازم لم في حال قوتهم وضعفهم ؛ لأنهم في حالة قوتهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وفي حالة ضعفهم يخادعون ويداهنون حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين14 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

ولما أنكر سبحانه أن يكون للمشركين غير المستثنين عهد ، بين السبب الموجب للإنكار مكرراً أداة الإنكار تأكيداً للمعنى فقال : { كيف } أي{[35652]} يكون لهم عهد ثابت { وإن } أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن { يظهروا عليكم } أي إن يعل{[35653]} أمر لهم على أمركم{[35654]} بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق { لا يرقبوا } أي لا ينظروا ويرعوا { فيكم } أي في أذاكم بكل جليل وحقير { إلاًّ } أي قرابة محققة { ولا ذمة } أي عهداً ، يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة ، وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية الخيانة لكم ، والإل{[35655]} هذا : القرابة - وهو قول ابن عباس ، والمادة تدور على الألة وهي حربة{[35656]} في نصلها عرض ، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق ، ويشبه به الإسراع في العدو ، والثبات في نفسها ، ومنه القرابة والعهد والتغير في وصفها ، ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت ، ومنه الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء و{[35657]}خرير الماء{[35658]} والطعن والقهر-{[35659]} ، ومنه : إن هذا - أي كلام{[35660]} مسيلمة - ما يخرج من إل ، أي من ربوبية ، وفي إل الله ، أي قدرته وإلهيته .

ولما كان ذلك مظنة لأن يقال : قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود ، ولم يدعوا باباً من أبواب الاستعطاف ، قال معللاً لما مضى مجيباً لمن استبعده : { يرضونكم } وعبر بأقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقاً لأنهم ليس في قلوبهم شيء منه فقال : { بأفواههم } أي بذلك التأكيد ، وصرح بالمقصود بقوله : { وتأبى قلوبهم } أي العمل بما أبدته ألسنتهم ، وقليل منهم من يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو{[35661]} يرجع عن هذا الفسق ويؤمن { وأكثرهم فاسقون* } أي راسخو الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل للقول - عما تريدونه ، وإذا نقض الأكثر{[35662]} اضطر الأقل إلى موافقتهم .


[35652]:زيد بعده في ظ: بأن.
[35653]:في الأصل وظ: يعلو.
[35654]:في ظ: أمرهم.
[35655]:من ظ، وفي الأصل: الإهلال ـ كذا.
[35656]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: حرمة.
[35657]:من القاموس، وفي ظ: حزير الهاء ـ كذا.
[35658]:من القاموس، وفي ظ: حزير الهاء ـ كذا.
[35659]:زيد من ظ.
[35660]:في ظ: الكلام.
[35661]:في ظ: أي.
[35662]:من ظ، وفي الأصل: لا كثر.