في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} (13)

والرعد . . الظاهرة الثالثة لجو المطر والبرق والرعد . . هذا الصوت المقرقع المدوي . إنه أثر من آثار الناموس الكوني ، الذي صنعه الله - أيا كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون ، فهو حمد وتسبيح بالقدرة التي صاغت هذا النظام . كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان . . وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلا ، ويكون الرعد( يسبح )فعلا بحمد الله . فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل !

وقد اختار التعبير أن ينص على تسبيح الرعد بالحمد اتباعا لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق ، وخلع سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامتة لتشارك في المشهد بحركة من جنس حركة المشهد كله - كما فصلت هذا في كتاب التصوير الفني في القرآن - والمشهد هنا مشهد أحياء في جو طبيعي . وفيه الملائكة تسبح من خيفته ، وفيه دعاء لله ، ودعاء للشركاء . وفيه باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه . . ففي وسط هذا المشهد الداعي العابد المتحرك اشترك الرعد ككائن حي بصوته في التسبيح والدعاء . .

ثم يكمل جو الرهبة والابتهال والبرق والرعد والسحاب الثقال . . بالصواعق يرسلها فيصيب بها من يشاء . والصواعق ظاهرة طبيعية ناشئة من تركيب الكون على هذا المنوال ؛ والله يصيب بها أحيانا من غيروا ما بأنفسهم واقتضت حكمته ألا يمهلهم ، لعلمه أن لا خير في إمهالهم ، فاستحقوا الهلاك . .

والعجيب أنه في هول البرق والرعد والصواعق ، وفي زحمة تسبيح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وزمجرة العواصف بغضبه . . في هذا الهول ترتفع أصوات بشرية بالجدل في الله صاحب كل هذه القوى وباعث كل هذه الأصوات التي ترتفع على كل جدال وكل محال :

( وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) !

وهكذا تضيع أصواتهم الضعيفة في غمرة هذا الهول المتجاوب بالدعاء والابتهال والرعد والقرقعة والصواعق ، الناطقة كلها بوجود الله - الذي يجادلون فيه - وبوحدانيته واتجاه التسبيح والحمد إليه وحده من أضخم مجالي الكون الهائل ، ومن الملائكة الذين يسبحون من خيفته [ وللخوف إيقاعه في هذا المجال ] فأين من هذا كله أصوات الضعاف من البشر وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ? !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} (13)

المفردات :

ويسبح الرعد بحمده : يخضع الرعد لقدرة الله ونظامه المحكم في هذا الكون فهو يعظم الله ويحمده .

والملائكة من خيفته : من خوف الله عز وجل ورهبته .

ويرسل الصواعق : جمع صاعقة ، وأصل الصاعقة : كل أمر جسيم يؤدي إلى هلاك أو ذهاب عقل أو فقد بعض الجسم .

وهم يجادلون في الله : ذكر : أن رجلا أنكر القرآن ، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته .

وهو شديد المحال : شديد المماحلة في عقوبة من طغى وعتا عليه ، والمحال مصدر من ما حلت فلانا محالا ؛ إذا عرضته لما يهلكه ، وقيل : شديد الأخذ ، شديد القوة .

التفسير :

{ ويسبح الرعد بحمده } . أي : يظهر قدرته تعالى وجبروته وتسخيره لجميع ظواهر هذا الكون كقوله تعالى : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده . . . } .

وكان رسول الله صلى اله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق ؛ قال : ( اللهم ، لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك )xviii ، وعن أبي هريرة مرفوعا : أنه كان إذا سمع الرعد قال : سبحان من يسبح الرعد بحمده ، وعن عبد الله بن الزبير : أنه كان إذا سمع الرعد ؛ ترك الحديث وقال : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، ويقول : إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرضxix .

والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة ، وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان ، وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس حتى اليوم ، وعند الذين يعرفون الكثير عن طبيعتها . والسورة تذكر هذه الظواهر متتابعة وتضيف إليها الملائكة والتسبيح والسجود والخوف والطمع ؛ لتصوير سلطان الله المتفرد بالقهر والنفع والضرxx .

وقد سميت السورة بسورة الرعد ؛ لقوله سبحانه فيها : { ويسبح الرعد بحمده }( الرعد : 13 ) .

والرعد هو ذلك الصوت المفرقع المدوي ، وهو أثر من آثار الناموس الكوني الذي صنعه الله أيا كانت طبيعته وأسبابه فهو رجع صنع الله في هذا الكون ، وهو يحمد ويسبح بلسان الحال ، للقدرية التي صاغت هذا النظام ، كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من جمال وإتقان .

وقد اختار التعبير أن يجعل صوت الرعد تسبيحا للحمد ؛ إتباعا لمنهج التصوير القرآني في مثل هذا السياق ، وخلق سمات الحياة وحركاتها على مشاهد الكون الصامتة ؛ لتشارك في المشهد كله ، وقد انضم إلى تسبيح الرعد بحمد الله ، تسبيح الملائكة من خوفه ومن تعظيمه ، وفي آية أخرى يقول سبحانه : { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } . ( الشورى : 5 ) .

وفي الحديث النبوي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أطت السماء ، وحق لها أن تئط ؛ ما فيها موضوع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد يسبح الله تعالى )xxi .

{ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء } . أي : يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء .

قال قتادة : ذكر لنا : أن رجلا أنكر القرآن ، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فأرسل الله صاعقة ؛ فأهلكته .

وذكروا في سبب نزولها : قصة( عامر بن طفيل ) و( أربد بن ربيعة ) ، لما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فسألاه : أن يجعل لهما نصف الأمر ؛ فأبى عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له عامر بن الطفيل لعنه الله ، أما والله لأملأنها عليك خيلا جردا ، ورجالا مردا ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأبى الله ذلك وأبناء قيله ) يعني : الأنصار ، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله ، فجعل أحدهما يخاطبه ، والآخر يستل سيفه ؛ ليقتله من ورائه ، فحماه الله تعالى منهما وعصمه ، فخرجا من المدينة ، فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس ؛ لحربه عليه الصلاة والسلام ، فأرسل الله على ( أربد ) سحابة فيها صاعقة فأحرقته ، وأما ( عامر بن الطفيل ) ، فأرسل الله عليه الطاعون ، فخرجت فيه غدة عظيمة فجعل يقول : يا أهل عامر ، غدة كغدة البعير ، وموت في بيت سلولية ، حتى ماتا لعنهما الله وأنزل الله في مثل ذلك : { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله } . xxii .

{ وهم يجادلون في الله } . أي : يشكون في عظمته وأنه لا إله إلا هو .

{ وهو شديد المحال } . قال ابن جرير : شديدة مما حلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون* فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين } . ( النمل : 51 ، 50 ) ، وعن عليّ رضي الله عنه : { وهو شديد المحال } . أي : شديد الأخذ ، وقال مجاهد : شديد القوة .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} (13)

شرح الكلمات :

{ من خيفته } : أي من الخوف منه وهيبته وجلاله .

{ وهو شديد المحال } : أي القوة والمماحلة .

المعنى :

( ويسبح الرعد بحمده ) أي وهو الذي يسبح الرعد بحمده وهو ملك موكل بالسحاب يقول : سبحان الله وبحمده ، وقوله : { والملائكة من خيفته } أي خيفة الله وهيبته وجلاله فهي لذلك تسبحه أي تنزهه عن الشريك والشبيه والولد بألفاظ يعلمها الله تعالى ، وقوله تعالى : { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله } أي في وجوده وصفاته وتوحيده وطاعته { وهو شديد المحال } هذه الآية نزلت فعلاً في رجل بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يدعوه إلى الإسلام فقال الرجل الكافر لمن جاء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رسول الله ؟ وما الله أمن ذهب هو أو فضة أو من نحاس ؟ فنزلت عليه صاعقة أثناء كلامه فذهبت بقحف رأسه ، ومعنى شديد المحال أي القوة والأخذ والبطش .

الهداية

من الهداية :

- استجاب قول سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته عند سماع الرعد لورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} (13)

قوله تعالى : { ويسبح الرعد بحمده } ، أكثر المفسرين على أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب ، والصوت المسموع منه تسبيحه . قال ابن عباس : من سمع صوت الرعد فقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير ، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته . وعن عبد الله بن الزبير : أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث . وقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته . ويقول إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد . وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى : { لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولم أسمعهم صوت الرعد } وقال جوبير عن الضحاك عن ابن عباس : الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر ، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه ، وأنه يسبح الله تعالى ، فإذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر . { والملائكة من خيفته } ، أي : تسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وخشيته . وقيل أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، جعل الله تعالى له أعوانا ، فهم خائفون خاضعون طائعون . قوله تعالى : { ويرسل الصواعق } ، جمع صاعقة ، وهي : العذاب المهلك ، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه ، { فيصيب بها من يشاء } ، كما أصاب أربد بن ربيعة . وقال محمد بن علي الباقر : الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر . { وهم يجادلون } ، يخاصمون ، { في الله } ، نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم مم ربك ؟ أمن در أم من ياقوت أم من ذهب ؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته . وسئل الحسن عن قوله عز وجل : { يرسل الصواعق } الآية ، قال : كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله وإلى رسوله . فقال لهم : أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه مم هو ؟ من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس ؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه ! فقال : ارجعوا إليه ، فرجعوا إليه ، فجل يزيدهم على مثل مقالته الأولى ، وقال أأجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه ؟ فانصرفوا وقالوا : يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث . فقال ارجعوا إليه ، فرجعوا ، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه ، وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة ، فكانت فوق رؤوسهم ، فرعدت وبرقت ، ورمت بصاعقة ، فاحترق الكافر ، وهم جلوس ، فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا لهم : احترق صاحبكم ، فقالوا : من أين علمتم فقالوا أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم : { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله } . { وهو شديد المحال } ، قال علي رضي الله عنه : شديد الأخذ . وقال ابن عباس : شديد الحول . وقال الحسن : شديد الحقد وقال مجاهد : شديد القوة . وقال أبو عبيدة : شديد العقوبة . وقيل : شديد المكر . والمحال والمماحلة : المماكرة والمغالبة .