ويمضي السياق في توكيده للوفاء بالعهود ، ونهيه عن اتخاذ الأيمان للغش والخديعة ، وبث الطمأنينة الكاذبة للحصول على منافع قريبة من منافع هذه الدنيا الفانية . ويحذر عاقبة ذلك في زعزعة قوائم الحياة النفسية والاجتماعية ، وزلزلة العقائد والارتباطات والمعاملات . وينذر بالعذاب العظيم في الآخرة ، ويلوح بما عند الله من عوض عما يفوتهم بالوفاء من منافع هزيلة ، وينوه بفناء ما بأيديهم وبقاء ما عند الله الذي لا تنفد خزائنه ، ولا ينقطع رزقه :
( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ، فتزل قدم بعد ثبوتها ، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ، ولكم عذاب عظيم . ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا . إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون . ما عندكم ينفد وما عند الله باق . ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .
واتخاذ الأيمان غشا وخداعا يزعزع العقيدة في الضمير ، ويشوه صورتها في ضمائر الآخرين . فالذي يقسم وهو يعلم أنه خادع في قسمه ، لا يمكن أن تثبت له عقيدة ، ولا أن تثبت له قدم على صراطها . وهو في الوقت ذاته يشوه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث ، ويعلمون أن أقسامه كانت للغش والدخل ؛ ومن ثم يصدهم عن سبيل الله بهذا المثل السييء الذي يضربه للمؤمنين بالله .
ولقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم ، ومن صدقهم في وعدهم ، ومن إخلاصهم في أيمانهم ، ومن نظافتهم في معاملاتهم . فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم .
ولقد ترك القرآن وسنة الرسول [ ص ] في نفوس المسلمين أثرا قويا وطابعا عاما في هذه الناحية ظل هو طابع التعامل الإسلامي الفردي والدولي المتميز . . روى أنه كان بين معاوية بن أبي سفيان وملك الروم أمد ، فسار إليهم في آخر الأجل . [ حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون ] فقال له عمر بن عتبة : الله أكبر يا معاوية . وفاء لا غدر . سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها " فرجع معاوية بالجيش . والروايات عن حفظ العهود - مهما تكن المصلحة القريبة في نقضها - متواترة مشهورة .
{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم94 ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون95 ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون96 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون97 } .
فتزل قدم بعد ثبوتها : مثل يقال لمن وقع في محنة بعد نعمة ، وبلاء بعد عافية .
وتذوقوا السوء : العذاب الدنيوي .
94 { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم } .
تأتي هذه الآية ؛ لتأكيد ما سبق ، ولتثبيت الناس على الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم .
جاء في تفسير الكشاف للزمخشري :
كان قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش ، واستضعافهم المسلمين ، وإيذائهم لهم . اه .
وقال الفخر الرازي : قال المفسرون :
المراد من هذه الآية : نهى الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن نقض عهده ؛ لأن هذا الوعيد وهو قوله : { فتزل قدم بعد ثبوتها } . لا يليق بنقض عهد قبله ، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على الإيمان به وبشرائعه .
{ فتزل قدم بعد ثبوتها } . مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية ، ومحنة بعد نعمة ، فإن من نقض عهد الإسلام ؛ فقد سقط عن الدرجات العالية ، ووقع في مثل هذه الضلالة .
{ وتذوقوا السوء } . أي : العذاب .
{ بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم } .
فالرجوع عن الإسلام إلى الكفر ، يوقعهم في محظورات ثلاثة :
1 البعد عن محجة الحق والهدى ، بعد أن رسخت أقدامهم فيها .
2 إنهم يصبحون قدوة لغيرهم في ترك الحق ، والانضمام إلى الباطل ، وفي هذا صد عن سبيل ، ومنع للناس عن الإيمان .
{ فتزل قدم بعد ثبوتها } ، استعارة في الرجوع عن الخير إلى الشر ، وإنما أفرد القدم ونكرها : لاستعظام الزلل في قدم واحدة ، فكيف في أقدام كثيرة .
{ وتذوقوا السوء } ، يعني : في الدنيا ، { بما صددتم عن سبيل الله } ، يدل على أن الآية فيمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم . { ولكم عذاب عظيم } ، يعني : في الآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.