ويختم النهي عن قتل الأولاد وعن الزنا بالنهي عن قتل النفس إلا بالحق :
( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ، إنه كان منصورا ) . .
والإسلام دين الحياة ودين السلام ، فقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله ، فالله واهب الحياة ، وليس لأحد غير الله أن يسلبها إلا بإذنه وفي الحدود التي يرسمها . وكل نفس هي حرم لا يمس ، وحرام إلا بالحق ، وهذا الحق الذي يبيح قتل النفس محدد لا غموض فيه ، وليس متروكا للرأي ولا متأثرا بالهوى . وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله [ ص ] قال : " لا يحل دم امرى ء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والزاني المحصن ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .
فأما الأولى فهي القصاص العادل الذي إن قتل نفسا فقد ضمن الحياة لنفوس ( ولكم في القصاص حياة ) . حياة بكف يد الذين يهمون بالاعتداء على الأنفس والقصاص ينتظرهم فيردعهم قبل الإقدام على الفعلة النكراء . وحياة بكف يد أصحاب الدم أن تثور نفوسهم فيثأروا ولا يقفوا عند القاتل ، بل يمضوا في الثأر ، ويتبادلوا القتل فلا يقف هذا الفريق وذاك حتى تسيل دماء ودماء . وحياة بأمن كل فرد على شخصه واطمئنانه إلى عدالة القصاص ، فينطلق آمنا يعمل وينتج فإذا الأمة كلها في حياة .
وأما الثانية فهي دفع للفساد القاتل في انتشار الفاحشة ، وهي لون من القتل على النحو الذي بيناه .
وأما الثالثة فهي دفع للفساد الروحي الذي يشيع الفوضى في الجماعة ، ويهدد أمنها ونظامها الذي اختاره الله لها ، ويسلمها إلى الفرقة القاتلة . والتارك لدينه المفارق للجماعة إنما يقتل لأنه اختار الإسلام لم يجبر عليه ، ودخل في جسم الجماعة المسلمة ، واطلع على أسرارها ، فخروجه بعد ذلك عليها فيه تهديد لها . ولو بقي خارجها ما أكرهه أحد على الإسلام . بل لتكفل الإسلام بحمايته إن كان من أهل الكتاب وبإجارته وإبلاغه مأمنه إن كان من المشركين . وليس بعد ذلك سماحة للمخالفين في العقيدة .
( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ، إنه كان منصورا ) . .
تلك الأسباب الثلاثة هي المبيحة للقتل ، فمن قتل مظلوما بغير واحد من تلك الأسباب ، فقد جعل الله لوليه - وهو أقرب عاصب إليه - سلطانا على القاتل ، إن شاء قتله وإن شاء عفا على الدية ، وإن شاء عفا عنه بلا دية . فهو صاحب الأمر في التصرف في القاتل ، لأن دمه له .
وفي مقابل هذا السلطان الكبير ينهاه الإسلام عن الإسراف في القتل استغلالا لهذا السلطان الذي منحه إياه . والإسراف في القتل يكون بتجاوز القاتل إلى سواه ممن لا ذنب لهم - كما يقع في الثأر الجاهلي الذي يؤخذ فيه الآباء والأخوة والأبناء والأقارب بغير ذنب إلا أنهم من أسرة القاتل - ويكون الإسراف كذلك بالتمثيل بالقاتل ، والولي مسلط على دمه بلا مثلة . فالله يكره المثلة والرسول قد نهى عنها .
( فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) يقضي له الله ، ويؤيده الشرع ، وينصره الحاكم . فليكن عادلا في قصاصه ، وكل السلطات تناصره وتأخذ له بحقه .
وفي تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل ، وتجنيد سلطان الشرع وسلطان الحاكم لنصرته تلبية للفطرة البشرية ، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي . الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا في حمى الغضب والانفعال على غير هدى . فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل ، وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص ، فإن ثائرته تهدأ ونفسه تسكن ويقف عند حد القصاص العادل الهادى ء .
والإنسان إنسان فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في القصاص . لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة ، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا . إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ويحبب فيه ، ويأجر عليه . ولكن بعد أن يعطي الحق . فلولي الدم أن يقتص أو يصفح . وشعور ولي الدم بأنه قادر على كليهما قد يجنح به إلى الصفح والتسامح ، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ويدفع به إلى الغلو والجماح !
{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ( 33 ) }
لا يسرف : أي : لا يتجاوز الحد المشروع فيه .
33- { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . . . }
أي : لا تقتلوا النفوس التي حرم الإسلام قتلها إلا قتلا متلبسا بالحق .
لقد كرم الله الإنسان ؛ فحلقه بيده ونفح فيه من روحه وأسجد له الملائكة ، وسخر له ما في الكون وفضله على كثير من خلقه ، وحرم الله قتل الإنسان لأن الإنسان ، بنيان الله ، أحكم الله بناءه وأودع فيه الروح ووهبه الحياة وحرم إزهاق روح الإنسان والعدوان على حياته ، وجعل القتل من الكبائر بل هو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله .
وقد تكرر التحذير من الزنا في القرآن أكثر من القتل من التحذير من القتل ؛ لأن الأول تدفع إليه الشهوة والرغبة ، فتكرر التحذير منه ، أما الإقدام على القتل فلا يوجد إلا لأسباب خاصة ، وقد أباح الدين القتل في ثلاثة مواضع :
1- القصاص : أي : قتل النفس بالنفس .
2- الزاني المحصن ، فعقبه الرجم .
3- المرتد الذي ترك دين الإسلام ورجع عنه .
روى الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله عليه وسلم قال : ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ){[390]} .
فالإسلام شرع القصاص وجعله حياة للأمة والأفراد فقال سبحانه : { ولكم في القصاص حياة . . . } ( البقرة : 179 ) ؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا قتل عدوه أو خصمه سيقتل بسبب ذلك ؛ كف عن هذا الاعتداء .
ولأن ولي المقتول إذا علم أنه سيؤخذ له بالثأر وستتكفل الدولة بالقصاص ؛ هدأت نفسه وسكنت ثورته ؛ وإلا لاندفع أولياء المقتول في قتال القاتل وأهله في ثورة غضبهم ، والقصاص حياة ، لأن كل فرد يؤمن على شخصه ويطمئن إلى عدالة القصاص فينطلق إلى عمله وإنتاجه فإذا الأمة كلها في الحياة .
وأما الثيب الزاني ؛ فلأنه جحد بنعمة الله ، وترك زوجته الحلال وانطلق يفسد في الأرض وينتهك ؛ الأعراض ويعرض النسل للقتل والضياع فاستحق القتل .
وأما المرتد فإنه يقتل ؛ لأنه اختار الإسلام برغبته ودخل في جسم الجماعة المسلمة واطلع على أسرارها فخروجه بعد ذلك عليها فيه تهديد لها ولو بقي خارجها من أول الأمر ما أكرهه أحد على الإسلام ، بل لتكفل الإسلام بحمايته إن كان من أهل الكتاب ، وبإجارته وإبلاغه مأمنه إن كان من المشركين ، وليس بعد ذلك سماحة للمخالفين في العقيدة .
والحديث النبوي بتمامه تفسير لقوله تعالى : إلا بالحق ، فقد حدد الحالات الثلاث التي يكون فيها القتل بالحق أي : بالعدل .
قال النيسابوري في تفسيره : ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقَتَّلوا . . . } الآية . ( المائدة : 33 ) .
وقد أبدى الفقهاء أسبابا أخرى منها : أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة وكذا اللائط ، ومنها : الساحر إذا قال : قتلت فلانا بسحري ، وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة .
والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا : الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر{[391]} .
{ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } أي : ومن قتل بغير حق يوجب قتله ، جعلنا لمن يلي أمره من وارث أو سلطان عند عدم الوارث تسلطا واستيلاء على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين : إما القصاص منه وإما الدية لقوله تعالى : { كتب عليكم القصاص في القتلى . . . } الآية . ( البقرة : 178 ) . ولقوله عليه السلام يوم الفتح : ( من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين ، إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا أخذوا الدية ){[392]} .
{ فلا يسرف في القتل } . أي : فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلا بإزاء واحد كما كان يقع في الثأر الجاهلي الذي يأخذ فيه الآباء والإخوة والأبناء والأقارب بغير ذنب إلا أنهم من أسرة القاتل ، ويكون الإسراف كذلك بالتمثيل بالقاتل والوالي مسلط على دمه بلا مثلة والرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عنها .
{ إنه كان منصورا } . أي : إن الله أنصر الولي بأن أوجب له القصاص وأمر الحكام أن يعينوه على استيفاء حقه ، فلا ينبغي ما وراءه ولا يطمع في الزيادة على ذلك ، وقد يكون المعنى : أن المقتول ظلما منصور في الدنيا بإيجاب القود له على قاتله ، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله{[393]} .
وهذه الآيات أول ما نزل من القرآن الكريم في شأن القتل ؛ لأنها مكية{[394]} .
{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } الحق الموجب لقتل النفس هو ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس أخرى " . وتتصل بهذه الأشياء أشياء أخرى لأنها في معناها كالحرابة وترك الصلاة ومنع الزكاة .
{ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } المظلوم هنا من قتل بغير حق ، والولي هو ولي المقتول وسائر العصبة ، وليس النساء من الأولياء عند مالك ، والسلطان الذي جعل الله له : هو القصاص ، أو تخييره بين العفو والقصاص .
{ فلا يسرف في القتل } نهى عن أن يسرف ولي المقتول بأن يقتل غير قاتل وليه أو يقتل اثنين بواحد وغير ذلك من وجوه التعدي ، وقرئ فلا تسرف بالتاء خطابا للقاتل ، أو لولي المقتول { إنه كان منصورا } الضمير للمقتول أو لوليه ، ونصره هو القصاص .