في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} (24)

1

وهذا التحدي ظل قائما في حياة الرسول [ ص ] وبعدها ، وما يزال قائما إلى يومنا هذا وهو حجة لا سبيل إلى المماحكة فيها . . وما يزال القرآن يتميز من كل كلام يقوله البشر تميزا واضحا قاطعا . وسيظل كذلك أبدا . سيظل كذلك تصديقا لقول الله تعالى في الآية التالية :

( فإن لم تفعلوا - ولن تفعلوا - فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافري ) والتحدي هنا عجيب ، والجزم بعدم إمكانه أعجب ، ولو كان في الطاقة تكذيبه ما توانوا عنه لحظة . وما من شك أن تقرير القرآن الكريم أنهم لن يفعلوا ، وتحقق هذا كما قرره هو بذاته معجزة لا سبيل إلى المماراة فيها . ولقد كان المجال أمامهم مفتوحا ، فلو أنهم جاءوا بما ينقض هذا التقرير القاطع لأنهارت حجية القرآن ولكن هذا لم يقع ولن يقع كذلك فالخطاب للناس جميعا ، ولو أنه كان في مواجهة جيل من أجيال الناس .

وهذه وحدها كلمة الفصل التاريخية .

على أن كل من له دراية بتذوق أساليب الأداء ؛ وكل من له خبرة بتصورات البشر للوجود وللأشياء ؛ وكل من له خبرة بالنظم والمناهج والنظريات النفسية أو الاجتماعية التي ينشئها البشر . . لا يخالجه شك في أن ما جاء به القرآن في هذه المجالات كلها شيء آخر ليس من مادة ما يصنعه البشر . والمراء في هذا لا ينشأ إلا عن جهالة لا تميز ، أو غرض يلبس الحق بالباطل . .

ومن ثم كان هذا التهديد المخيف لمن يعجزون عن هذا التحدي ثم لا يؤمنون بالحق الواضح :

( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) . .

ففيم هذا الجمع بين الناس والحجارة ، في هذه الصورة المفزعة الرعيبة ؟ لقد أعدت هذه النار للكافرين . الكافرين الذين سبق في أول السورة وصفهم بأنهم ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ) . . والذين يتحداهم القرآن هنا فيعجزون ، ثم لا يستجيبون . . فهم إذن حجارة من الحجارة ! وإن تبدوا في صورة آدمية من الوجهة الشكلية ! فهذا الجمع بين الحجارة من الحجر والحجارة من الناس هو الأمر المنتظر !

على أن ذكر الحجارة هنا يوحي إلى النفس بسمة أخرى في المشهد المفزع : مشهد النار التي تأكل الأحجار . ومشهد الناس الذين تزحمهم هذه الأحجار . . في النار . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} (24)

فإذا عجزوا عن استجابة هذا التحدي فإن الحجة تكون قد لزمتهم ، ومن إعجاز القرآن تقديره بأنهم سيظلون عاجزين عن ذلك أبدا .

وقد حذرتهم الآية من عذاب جهنم التي تتميز غيظا وتتقد بالناس والحجارة وقد أعدت للكافرين وهيئت لعذابهم . ووقود النار هنا صنفان : الناس والحجارة ، أما الإنسان فلأنه عبد غير الله أو كفر بالله وأشرك به وكذب الشرائع والرسل ولم يتدبر ما أنزله الله عليه .

أما الحجارة فلأنها أظهر ما عبده المشركون ، وقد حشرت في النار لبيان عدم جدوى عبادتهم لها ، قال تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون . ( الأنبياء98 ) .

إعجاز القرآن :

أورد علماء البيان أنواع الأدلة على إعجاز القرآن ، وفي تفسير المنار بحث مسهب عن أنواع الإعجاز التي اشتمل عليها القرآن ، منها إعجازه بأسلوبه ونظمه ، وبلاغته وفصاحته ، وبما فيه من علم الغيب من ماض وحاضر ومستقبل ، ولسلامته من الاختلاف والتعارض والتناقض .

وباشتماله على العلوم الإلهية ، وأصول العقائد الدينية وأحكام العبادات وقوانين الفضائل والآداب ، وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي ، والموافقة لكل زمان ومكان . ومن إعجاز القرآن عجز القرون التي ارتقت فيها جميع العلوم والفنون ، أن تنقض بناء آية من آياته ، أو تبطل حكما من أحكامه ، أو تكذب خبرا من أخباره .

ومن إعجاز القرآن اشتماله على تحقيق كثير من المسائل العلمية والتاريخية ، التي لم تكن معروفة في عصر نزوله ، ثم عرفت بعد ذلك بما انكشف للباحثين والمحققين ، من طبيعة الكون وتاريخ البشر وسنن الله في الخلق ؟ .

ومن قدرة القرآن إبداعه في رسم الحالات النفسية ومشاهد الكون وتجسيم المعنويات وتخير الأسلوب المناسب للفكرة التي يعرضها .

وهكذا تتكشف للناظر في القرآن آفاق وآفاق ، من التناسق والاتساق ، فمن نظم فصيح إلى سرد عذب ، إلى معنى مترابط ، إلى نسق متسلسل إلى لفظ معبر ، إلى تعبير مصور إلى تصوير مشخص ، إلى تخييل مجسم إلى موسيقى داخلية ، إلى اتساق في الأجزاء إلى تناسق في الإطار ، وبهذا كله يتم الإبداع ويتحقق الإعجاز .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} (24)

{ ولن تفعلوا } اعتراض بين الشرط وجوابه فيه مبالغة وبلاغة ، وهو إخبار ظهر مصداقه في الوجود ، إن لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن ، مع فصاحة العرب في زمان نزوله وتصرفهم في الكلام ، وحرصهم على التكذيب ، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى ، وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين : أحدهما : أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو الصحيح .

والثاني : أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه ، والإعجاز حاصل على الوجهين وقد بينا سائر وجوه إعجازه في المقدمة .

{ فاتقوا النار } أي : فآمنوا لتنجوا من النار ، وعبر باللازم عن ملازمه لأن ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف .

{ وقودها } حطبها { الحجارة } قال ابن مسعود : هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدة حرها وقبح رائحتها ، وقيل : الحجارة المعبودة ، وقيل : الحجارة على الإطلاق .

{ أعدت } دليل على أنها قد خلقت ، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة ، خلافا لمن قال إنها تخلق يوم القيامة ، وكذلك الجنة .